الحكومة المقبلة بين الشرعية التاريخية و شرعية الإنجاز في المشهد السياسي المغربي
يتناول هذا المقال التحليلي بقلم الدكتور محمد امغار التحولات الراهنة في المشهد السياسي المغربي، مسلطاً الضوء على التحالفات السياسية والتوازن بين الشرعية التاريخية وشرعية الإنجاز في تشكيل الحكومة المقبلة، ومدى قدرة الأحزاب التاريخية على الاستجابة لمتطلبات المواطن اليوم في ظل التغيرات الاجتماعية والرقمنة.
│ © الدكتور محمد امغار │ التاريخ: 2026/09/29 │ مدة القراءة: 3 دقائق │
يقدم الدكتور محمد امغار، الباحث في العلوم السياسية، قراءة تحليليّة عميقة حول مستقبل تشكيل الحكومة المقبلة مع التحالفات السياسية وروافد مشروعيتها في الشارع المغربي.
إعادة ترتيب التحالفات السياسية الحزبية وتوازنات المشهد السياسي المغربي
مع بروز حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي بعد الانتخابات الاخيرة بما لها وما عليها ، وبعد تحميل عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها وحزبه، مسؤولية حصيلة التجربة الحكومية السابقة، يبدو أن الخريطة السياسية المغربية تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات.
وفتح ذلك الباب أمام تقارب محتمل بين الحزب الأغلبي المكلف بتشكيل الحكومة وعدد من الأحزاب ذات الرصيد التاريخي، وفي مقدمتها الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وإن كانت طبيعة هذه التحالفات وتركيبتها النهائية تظل رهينة بالتفاوض السياسي وتوازنات المرحلة المقبلة .
تحدّيات شرعية الحكومة المقبلة أمام عزوف الناخبين
فان ما يستحق التوقف عنده ليس فقط شكل الحكومة المقبلة، وإنما نوع الشرعية التي يمكن أن تستند إليها بعد العزوف الكبير في المشاركة في الانتخابات هل ستكون شرعية تاريخية ونضالية، أم أن المرحلة تفرض بصورة متزايدة شرعية أخرى قوامها الإنجاز والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية وتجنب المغامرة بثوابت المتخيل الجمعي ؟
تحوّلات مفهوم الشرعية: من الرصيد النضالي إلى شرعية الإنجاز
ومن هذا المنطلق فان أحزاب الحركة الوطنية واليسار المغربي المراد ادماجها في الحكومة تمتلك رصيداً تاريخياً لا يمكن إنكاره.
فقد ساهمت في معركة الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، وخاضت لعقود صراعات سياسية ونضالية جعلت منها جزءاً أساسياً من تاريخ المغرب المعاصر. ولذلك ظلت الشرعية التاريخية أحد أهم مصادر قوتها السياسية والرمزية.
انتظارات المواطن المغربي بين الذاكرة السياسية وحلول الواقع
لكن المشكلة الحقيقية بدأت عندما تحول التاريخ لديها من رصيد سياسي إلى بديل عن الحاضر وعن التواجد بالمجتمع . ذلك ان المواطن المغربي اليوم لا يعيش بالضرورة الذاكرة السياسية للأجيال السابقة.
بل يضع أسئلة كثيرة و مباشرة لها علاقة بالانجاز منها:
كيف يجد عملاً؟ كيف يحصل على سكن لائق؟ كيف يضمن لأبنائه تعليماً جيداً؟
كيف يحصل على علاج يحفظ كرامته؟
وكيف يستطيع مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة؟
وهنا تبرز أهمية مفهوم شرعية الإنجاز التي اعتمدها علماء السياسة لتفسير القدرة على الاقناع اي اقناع الاجيال الحالية .
فالشرعية السياسية لا تتأسس فقط على الماضي اي الشرعية التاريخية او الانتخابات التي تعرف عزوفا منقطع النظير ، وإنما تتجدد أيضاً من خلال قدرة الأحزاب والمؤسسات على تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية ذات نتائج ملموسة على ارض الواقع .
أثر الرقمنة والمساءلة على إعادة تشكيل الخريطة السياسية
وقد أظهرت التجربة المغربية أن المواطن والناخب قادر على إعادة ترتيب الخريطة السياسية بوسائل متعددة عندما تتغير انتظاراته.
فصعود قوى سياسية جديدة في مراحل مختلفة، ومن بينها حزب العدالة والتنمية بعد دستور 2011، يبين أن الرصيد التاريخي وحده لا يضمن الاستمرارية السياسية.
واليوم، ومع انتشار الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت علاقة المواطن بالأحزاب مباشرة بشكل جلي مبنية على المساءلة. فالمواطن يستطيع متابعة أداء المسؤولين ومقارنة الخطابات والبرامج والتعبير عن تقييمه لها بسرعة لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
امتحان التدبير الحكومي ورهان استعادة ثقة الشارع
ومن هنا نخلص الى ان عودة الأحزاب ذات الرصيد التاريخي إلى واجهة التدبير الحكومي، إذا ما حصلت، يمكن أن تكون فرصة لإعادة بناء شرعيتها ليس فقط على التاريخ بل على الفعالية والانجاز لكنها ستكون في الوقت نفسه امام امتحان صعب خاصة اذا تولت الحقائب الاجتماعية وتركت حقائب المالية والاقتصاد لـ حزب الاصالة والمعاصرة .
فالمشاركة في السلطة تجعل الحزب مسؤولاً عن نتائج هذه المشاركة ، وتدفعه إلى الانتقال من استثمار الذاكرة إلى إثبات القدرة على الإنجاز. لذلك، فإن الرهان على التاريخ وحده في عصر الرقمنة قد لا يكون كافياً. فالأجيال الحاضرة لا تسأل عن ماذا فعلتم بالأمس؟ وإنما تسأل عن ماذا تستطيعون أن تفعلوا اليوم؟
إن الشرعية التاريخية تفسر لماذا يستحق الحزب أن يُذكر في تاريخ البلاد، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير لماذا يستحق أن يحظى بثقة المواطن اليوم .
وفي الاخير فان السياسة لا تعيش بالذاكرة وحدها؛ إنها تحتاج إلى إنجاز الحاضر يعيد إنتاج الثقة في الحزب وقدرته على الاستجابة لمتطلبات المواطن .
كلمات لها صلة بالموضوع :