شباب-الجنوب-الشرقي-المغرب-المشاركة-السياسية

بطالة، سياسة، وأمل مفقود: كيف يفكر شباب الجنوب الشرقي المغربي في مستقبلهم؟

 

تطرح علاقة شباب الجنوب الشرقي المغربي بالدولة والمشاركة السياسية أسئلة عميقة حول أثر التعليم والتفاوتات المجالية في فرص الاستقلال والاندماج. ينطلق هذا التقرير التحليلي من أن الحق القانوني لا يكفي وحده لضمان ممارسة فعالة، مما يتطلب تقييم السياسات بمراعاة نتائجها الملموسة في الحياة اليومية ومدى قدرة السكان على تحديد أولويات مناطقهم الواحية والقروية.

 

© بقلم: يوسف بوصمو  │ 2026/10/12 │ مدة القراءة: 6 دقائق

 

يتناول هذا التقرير علاقة شباب الجنوب الشرقي المغربي بالدولة والمشاركة السياسية، من خلال أثر التعليم والعمل والتفاوتات المجالية في فرص الاستقلال والاندماج والتمثيل. وينطلق من أن الحق القانوني في المشاركة لا يكفي وحده لضمان القدرة الفعلية على ممارسته.

كما يؤكد التقرير أن تقييم السياسات الموجهة إلى الشباب يتطلب النظر إلى نتائجها في حياتهم اليومية وإلى فرص مساهمتهم في تحديد أولويات مناطقهم. يمثل الجنوب الشرقي مجالاً تتداخل فيه الواحات والقرى والمدن، وتختلف داخله الموارد والخدمات ومسارات التنقل.

لذلك لا يعامل التقرير سكانه باعتبارهم فئة متجانسة، ولا يفترض أن جميع الشباب يعيشون التجربة نفسها. وهو تقرير تحليلي، لا تحقيق ميداني؛ فلا يتضمن شهادات أو مقابلات لم تُنجز.

 

1. الفرص الاقتصادية والتمثيل السياسي لشباب الجنوب الشرقي

 

يمكن أن تؤثر تكاليف التنقل ومتابعة الدراسة والبحث عن العمل في قدرة الشباب على بناء مسار مستقل. وقد يضطر شاب من منطقة قروية إلى تخصيص موارد إضافية للوصول إلى التكوين أو إلى المؤسسات والفعاليات السياسية، مقارنة بشاب يقيم بالقرب منها.

غير أن حجم هذا التفاوت يحتاج إلى قياس ميداني، ولا يجوز تقديمه باعتباره حقيقة مطلقة تشمل جميع المناطق والأفراد. تستدعي هذه المسألة مساءلة الأحزاب بشأن حضورها التنظيمي المستمر بالمناطق القروية، ومدى اعتمادها على فروع وشبيبات محلية نشطة خارج فترات الانتخابات.

كما تطرح أسئلة حول توزيع فرص التكوين السياسي، وإمكانية وصول الشباب إلى المعلومات والموارد اللازمة للترشح. ويمكن النظر إلى شروط تأسيس تنظيم سياسي جديد باعتبارها وسيلة لضمان حد أدنى من الانتشار والتمثيل السياسي.

لكنها قد تشكل عبئاً تنظيمياً على المبادرات الشبابية محدودة الموارد. ويتطلب تقييم ذلك مقارنة تجارب فعلية في تأسيس الأحزاب، وفحص النصوص القانونية المعمول بها، دون إصدار حكم مسبق على التشريع.

 

2. تفكيك واقع شباب الجنوب الشرقي: ليسوا فئة اجتماعية واحدة

 

يساعد تصور السوسيولوجي بيير بورديو ، المرتبط بنصه المعروف «الشباب ليسوا سوى كلمة»، على تفكيك التعامل مع الشباب بوصفهم مجموعة متجانسة لمجرد انتمائهم إلى مرحلة عمرية واحدة. فالفوارق في الأصل الاجتماعي والتعليم والموارد الاقتصادية والثقافية قد تجعل تجاربهم وتوقعاتهم مختلفة.

قد يمتلك شاب من حي ميسور في مدينة كبرى شبكة علاقات وموارد تسهل ولوجه إلى الحياة الاقتصادية والسياسية، بينما يواجه شاب من منطقة قروية تكاليف إضافية في الدراسة والتنقل والتكوين.

وقد تضيف الفوارق بين الشباب والشابات تحديات مرتبطة بالأدوار الاجتماعية وإمكانية التنقل والمشاركة في الفضاء العمومي.

لذلك يحتاج الحديث عن أزمة الشباب إلى تحديد الفئة المقصودة: الجامعيون العاطلون، أو المنقطعون عن الدراسة، أو العاملون في الأنشطة الفلاحية والسياحية والموسمية، أو الشابات اللواتي يواجهن صعوبات خاصة في الوصول إلى سوق الشغل. ولكل فئة شروطها وعلاقتها بـ المؤسسات المغربية.

يصبح مفهوم الشباب في الهامش أكثر دقة حين يشير إلى وضع اقتصادي واجتماعي ومجالي محدد، ولا يتحول إلى هوية ثابتة تُلصق بجميع سكان المناطق البعيدة.

 

3. تراكم اللامساواة الاقتصادية والمشاركة السياسية

 

قد تتداخل الصعوبات الاقتصادية والمجالية مع محدودية المشاركة السياسية، لكن العلاقة ليست آلية أو حتمية. فالبحث المستمر عن مورد رزق قد يقلص الوقت والموارد المتاحة للانخراط السياسي، بينما قد تدفع التجربة نفسها شباباً آخرين إلى المشاركة دفاعاً عن مصالح مناطقهم.

وقد يرى بعض الشباب أن الانخراط الحزبي لا يتيح لهم تأثيراً كافياً، فيفضلون العمل الجمعوي أو المبادرات المستقلة. وتبين هذه الاستجابات المختلفة أن فهم المشاركة يتطلب دراسة التجارب الفعلية، دون اختزالها في حكم واحد على الجيل.

تتيح مقاربة الفيلسوفة نانسي فريزر  للعدالة، من خلال إعادة التوزيع والاعتراف والتمثيل، طرح ثلاثة أسئلة مترابطة:

هل تتكافأ فرص التعليم والعمل والخدمات؟ وهل تؤخذ خصوصيات المجال الواحي والقروي وتطلعات شبابه في صياغة السياسات؟ وهل يمتلك السكان قنوات فعالة للتأثير في القرارات؟

لا يكفي تقديم الموارد إذا غابت شروط المشاركة في توجيهها ومراقبة نتائجها. فـ العدالة المجالية ترتبط أيضاً بقدرة المعنيين على المساهمة في تحديد الأولويات التنموية.

 

4. الجهوية المتقدمة وموقع القرار التنموي في المناطق النائية

 

قد تختلف أولويات الشباب من إقليم إلى آخر تبعاً لطبيعة الاقتصاد المحلي والخدمات والموارد الطبيعية. ففي بعض المناطق يتقدم الماء الصالح للشرب والفلاحة، وفي أخرى يحتل النقل والتعليم العالي والتكوين المهني وإيجاد بدائل للأنشطة الموسمية موقعاً مركزياً.

تشير المادة الأصلية إلى أسئلة برلمانية موجهة عبر مجلس النواب المغربي  بشأن تدبير الموارد المائية بواحات درعة وزاكورة وصعوبات مرتبطة باستعمال الماء.

وجود هذه القضايا في العمل الرقابي لا يكفي للحكم على معالجتها؛ إذ يلزم تتبع الأجوبة الحكومية والاعتمادات والمشاريع المنجزة وأثرها في حياة السكان.

تُقاس فعالية المنتخب بقدرته على تحويل المطالب إلى مبادرات رقابية وتشريعية ومتابعة تنفيذ السياسات، وليس بمجرد عدد المداخلات. ويمكن أن تشكل المشاركة في الجماعات والمجالس الإقليمية والجهوية مدخلاً لاكتساب الشباب التجربة السياسية.

يتطلب تقييم هذه التجربة فحص الصلاحيات والموارد المتاحة للمؤسسات المحلية. فلا يمكن تحميل المنتخب المحلي مسؤولية معالجة جميع الاختلالات إذا ظلت بعض الاختصاصات والموارد بيد مستويات أخرى من الإدارة المركزية.

 

5. تحليل المشاركة الانتخابية وسلوك الشباب الانتخابي

 

يحتاج تحليل المشاركة الانتخابية إلى الفصل بين التسجيل في اللوائح والتصويت الفعلي. فحصة فئة عمرية من مجموع المسجلين ليست هي معدل التسجيل داخل تلك الفئة، ولا تكشف وحدها عن مدى مشاركة الشباب المؤهلين للتصويت.

كذلك لا يمكن تفسير عدم التصويت باعتباره تعبيراً موحداً عن الاحتجاج أو فقدان الثقة. فقد يرتبط بالتنقل أو التسجيل أو الاهتمام بالعرض السياسي أو الثقة في المرشحين أو أولويات اجتماعية وشخصية أخرى.

يتطلب فهم سلوك شباب الجنوب الشرقي بيانات على مستوى الأقاليم والجماعات، ومقارنة المدن والقرى، ودراسة أثر الهجرة الداخلية وبعد أماكن الإقامة عن مراكز التصويت وحضور الأحزاب محلياً.

 

6. البرلمان والحضور النيابي: إعادة بناء الثقة للشباب

 

قد يحمل وصول الشباب إلى البرلمان المغربي  دلالة رمزية، إذ يتيح للأجيال الجديدة رؤية أشخاص من فئتها العمرية داخل مؤسسات اتخاذ القرار. لكن أثر هذا الحضور يرتبط بالممارسة وبالقدرة على التأثير في السياسات والتواصل المستمر مع المواطنين.

تتطلب دراسة حصيلة النواب الشباب النظر إلى نشاطهم في اللجان، ومقترحات القوانين والأسئلة الرقابية، ومتابعة برامج التعليم والتشغيل والتكوين. كما ينبغي فحص تواصلهم مع الشباب خارج تنظيماتهم الحزبية وتبنيهم لقضايا المناطق البعيدة عن المراكز الاقتصادية.

تساعد المقارنة بين نواب من أحزاب وأقاليم وخلفيات اجتماعية مختلفة على فهم حدود التأثير والفرص المتاحة. والعمر وحده لا يجعل النائب ممثلاً لجيل بكامله، ولا يضمن استجابته لمطالب الشباب.

 

7. الاعتراف الاجتماعي وتجربة المؤسسات اليومية

 

لا يبحث المواطن عن الخدمات والموارد فقط، بل يسعى أيضاً إلى أن تؤخذ تجربته ومطالبه وتصوراته للمستقبل على محمل الجد. وتتيح أطروحة المفكر أكسل هونيث  حول الاعتراف دراسة أثر التعامل اليومي مع المؤسسات في شعور الأفراد بمكانتهم داخل المجتمع.

قد تتشكل الثقة من خلال الحصول على وثيقة إدارية، أو البحث عن تدريب، أو محاولة إطلاق مشروع، أو التواصل مع منتخب محلي. وتتراكم هذه التجارب لتقوي الثقة أو تضعفها، دون أن يعيش جميع الشباب المسار نفسه.

في الجنوب الشرقي تتقاطع المطالب الاقتصادية مع قضايا المجال واللغة والثقافة والتنقل والولوج إلى الخدمات. لذلك يرتبط الاعتراف بطريقة تحديد الأولويات، وبمدى مشاركة السكان في صياغتها، وبالنظر إلى الشباب كفاعلين قادرين على الإسهام في مستقبل مناطقهم.

 

 

8. خيارات الشباب: بين الانخراط، الهجرة، والانسحاب

 

لا يصح اعتبار الشباب جيلاً فقد الثقة نهائياً، كما لا تكفي المبادرات المؤسساتية لإثبات تحسن شامل في علاقتهم بالسياسة. فهناك من يختار الانخراط الحزبي، ومن يفضل المبادرة المدنية أو الاحتجاج، ومن يمنح الأولوية لمساره المهني، ومن يبحث عن فرص للهجرة.

لا يجوز اختزال هذه الخيارات في أحكام أخلاقية حول الوطنية أو المسؤولية. فلكل مسار شروطه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتتشكل العلاقة بالسياسة وفق تحليلات سوسيولوجيا المفكر ألبرت هيرشمان  داخل فضاء يضم العائلة والمدرسة وسوق الشغل والأحزاب والإدارة.

يرتبط تطوير المشاركة السياسية بتحسين شروط التعليم والتشغيل وتقليص التفاوتات المجالية وتوفير قنوات مؤسساتية فعالة. كما يرتبط بقدرة الشباب على تحقيق استقلال اقتصادي واجتماعي يمنح مشاركتهم استمرارية ومعنى.

5. الخاتمة :

 المواطنة والقدرة على بناء المستقبل

 

بين واحات درعة وتافيلالت وقرى الأطلس والمدن التي تستقطب الطلبة والباحثين عن العمل، يتشكل سؤال المستقبل في علاقة بين الانتماء والفرص. ويتعلق الأمر بإتاحة مسارات متعددة للنجاح والمشاركة، بحيث لا يصبح الأصل الاجتماعي أو الموقع الجغرافي محدداً حاسماً للمصير.

تُقاس العدالة المجالية بتوزيع الفرص وبقدرة السكان على المشاركة في تحديد الخيارات التنموية. ويُقاس التمثيل السياسي بمدى استماع المؤسسات للمطالب ومناقشتها وتحويل الممكن منها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.

السؤال المركزي هو كيف تتحول المواطنة من وضع قانوني يضمن الحقوق إلى تجربة معيشية يشعر خلالها شباب الجنوب الشرقي بأن لديهم فرصة لبناء مستقبلهم والمشاركة في القرارات المؤثرة فيه. وتتصل الثقة في المستقبل بإمكانية الارتقاء الاجتماعي وبشعور الفرد بأن جهده وتعليمه ومشاركته السياسية يمكن أن تؤثر في مسار حياته وتضمن اندماجه داخل المؤسسات المغربية.

 

📚 المراجع الفكرية وإحالات المادة الأصلية

  • بيير بورديو وجان كلود باسرون — أعمال إعادة الإنتاج الاجتماعي، ونص بيير بورديو: La jeunesse n’est qu’un mot.
  • نانسي فريزر — كتاب Scales of Justice.
  • أكسل هونيث — كتاب The Struggle for Recognition.
  • ألبرت هيرشمان — كتاب Exit, Voice, and Loyalty.
  • أمارتيا سن — كتاب Development as Freedom.

🔗 إحالات وروابط توثيقية:

🏛️ مصادر مؤسساتية للمراجعة:

* ملاحظة: هذه قائمة مراجع وإحالات واردة في النص الأصلي، وليست توثيقاً للتحقق المستقل من جميع الوقائع أو الاقتباسات.

 

كلمات لها صلة بالموضوع :