الهجوم على إيران: تصعيد أمريكي إسرائيلي وردّ إيراني يوسّع دائرة المواجهة
© أيقونة : وكالات / تقارير//
▪ القدس / واشنطن – 28 فبراير 2026 – 07:42
▪ تحديث: 28 فبراير 2026 – 09:30 بتوقيت المغرب :
يشكل الهجوم على إيران محطة مفصلية في مسار التوتر المتصاعد بالشرق الأوسط. فمع انطلاق ضربات عسكرية واسعة استهدفت مواقع حساسة في طهران، وردّ إيراني طال إسرائيل وقواعد أمريكية، تدخل المنطقة مرحلة دقيقة تتشابك فيها الحسابات العسكرية والسياسية وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهة.
انطلاق الهجوم على إيران يبدأ بضربات واسعة واستهداف قيادات
بعد ثمانية أشهر من آخر حرب، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا واسعًا وقويًا على إيران. ويُعدّ ذلك حدثًا غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط، سواء لكونه عملية مشتركة منذ البداية أو لأن هدفه هذه المرة هو إسقاط نظام آيات الله بشكل واضح.
عمود من الدخان يتصاعد في طهران عقب القصف المشترك الأمريكي والإسرائيلي لإيران، يوم السبت / تصوير / Associated Press
واستهدفت الموجة الأولى من القصف كبار القادة، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان، وفقًا للمراسلين العسكريين في إسرائيل.
ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العملية بأنها «واسعة النطاق»، داعيًا الشعب الإيراني إلى تولّي السلطة بعد انتهائها.
ولا تزال تداعيات القصف غير معروفة، فيما انقطعت الاتصالات الهاتفية والإنترنت في إيران.
وقد وصل ردّ طهران إلى إسرائيل وقواعد أمريكية في الشرق الأوسط، وسُجّلت انفجارات في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت.
تصريحات القادة وبداية الحملة العسكرية
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، بدء الحملة العسكرية قرابة الساعة الثامنة صباحًا بالتوقيت المحلي (السادسة صباحًا بتوقيت المغرب)، وقد سُمعت انفجارات في طهران منذ ساعات الصباح الأولى.
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان يمارس ضغوطًا على ترامب من أجل تغيير النظام في إيران، أن هذه الحرب ستكون «أقوى بكثير» من تلك التي بدأت في يونيو، وأن هدفها «إزالة التهديد الوجودي» الذي تمثله حكومة آيات الله.
ومن المتوقع أن تستمر عملية الهجوم على إيران عدة أيام على الأقل، «مهما تطلّب الأمر»، بحسب نتنياهو.
الهدف تغيير النظام في إيران وتصريحات ترامب
اتفق كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في خطابيْهما على أن الهدف النهائي هو تغيير النظام.
وتعهّـد ترامب بـ«إبادة» البحرية الإيرانية وبرنامجها النووي والصاروخي، وبـ«موت محتوم» لعناصر القوات المسلحة والشرطة والحرس الثوري الإسلامي إذا لم يستسلموا.
وقال ترامب في مقطع فيديو نُشر عبر شبكة Truth Social: «رفضت إيران كل فرصة للتخلي عن طموحاتها النووية».
وأضاف: «قد تُفقد أرواح أبطال أمريكيين شجعان وقد نتكبد خسائر، كما يحدث في الحروب، لكننا نفعل ذلك لا من أجل الحاضر فقط، بل من أجل المستقبل، وهي مهمة نبيلة».
دعوات للشعب الإيراني للانتفاض ورسائل مباشرة للإيرانيين
كما دعا الرئيس الأمريكي الشعب الإيراني إلى الانتفاض ضد حكومته، قائلًا: «قوة حريتكم بين أيديكم».
وأضاف: «عندما ننتهي، أزيحوا حكومتكم. السلطة لكم. ربما تكون هذه فرصتكُم الوحيدة عبر أجيال». وأردف: «هذا هو وقت التحرك. لا تتركوه يفوتكم».
وفي السياق نفسه، دعا نتنياهو الإيرانيين بشكل عام إلى تولّي السلطة، قائلًا: «هذه فرصتكم، تولّوا مصيركم بأيديكم».
وأضاف بالإنجليزية وسط خطاب بالعبرية: «لقد وصلت المساعدة»، مستعيدًا العبارة التي وجّهها الرئيس الأمريكي في يناير إلى المتظاهرين في إيران خلال أيام قمع الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر الماضي.
الرد الإيراني على الهجوم على إيران يشمل صواريخ ويوسّع نطاق الانفجارات
سُجّل انفجار قوي في المنامة، البحرين، عقب الردّ الإيراني على القصف المشترك الأمريكي الإسرائيلي.
أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن البلاد «لن تتردد» في الرد، وبدأت بالفعل هجومها المضاد بصواريخ وطائرات مسيّرة.
وخلال الصباح، دوّت انفجارات في عدة مناطق من إسرائيل نتيجة اعتراض الصواريخ. كما سُجّلت انفجارات في دول مجاورة مثل لبنان وسوريا والأردن.
وهاجمت صواريخ إيرانية استهدفت قواعد عسكرية في قطر والكويت والإمارات والبحرين
وأعلنت إسرائيل حالة الطوارئ وأغلقت مجالها الجوي، كما فعل العراق.
شنت إيران ضربات انتقامية استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في دول تستضيف قواعد عسكرية أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط، وذلك بعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على أهداف عسكرية وحكومية إيرانية صباح يوم السبت.
حالة الطوارئ في القدس وتداعيات ميدانية
في القدس، تكررت صفارات الإنذار كل بضع دقائق، بينما أطلقت طهران جولة جديدة من المقذوفات. بدت الشوارع شبه خالية، حيث لجأ السكان إلى الملاجئ أو الغرف الآمنة.
وأفادت السلطات حتى الآن بوقوع إصابات وأضرار محدودة.
كما سُجّلت هجمات وانفجارات في أبوظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة، وفي الكويت وقطر والبحرين.
وأفادت وكالة الأنباء الرسمية في البحرين بوقوع ثلاثة انفجارات على الأقل، أحدها استهدف منشآت عسكرية أمريكية في البلاد.
بيان الخارجية الإيرانية وشهادات من طهران
وجاء في بيان لوزارة الخارجية الإيرانية نُشر على منصة «إكس»: «حان وقت الدفاع عن الوطن والتصدي للعدوان العسكري للعدو».
وأضاف البيان: «كما كنا مستعدين للمفاوضات، كنا أكثر استعدادًا للدفاع في كل الأوقات. ستردّ القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بحزم كامل على المعتدين».
وقال شاهد عيان للانفجارات في طهران إنه سمع ثلاث دويّات في وسط المدينة قبل انطلاق صفارات الإنذار.
وأضاف أن عمودًا من الدخان تصاعد من شارع باستور، حيث يقع منزل المرشد ومحيطه.
وذكرت امرأة تقيم في العاصمة أن بعض أفراد عائلتها قرروا مغادرة طهران، «لكننا لن نغادر لأن في طريقنا عدة ثكنات عسكرية»، مضيفة: «نفضّل الاحتماء في أحد أركان المنزل. قيل لنا إن محطات الوقود مكتظة».
وأكد شاهد ثالث أن معظم الهجمات تستهدف مواقع في شرق طهران، حيث توجد منشآت حساسة صاروخية ونووية وعسكرية.
عداء طويل الأمد
بعد عقود من الحرب الخفية، بما في ذلك هجمات إلكترونية واغتيالات علماء نوويين وعمليات عبر حلفاء، تدخل إسرائيل الآن مواجهتها المباشرة الرابعة مع إيران خلال عامين فقط، وهذه المرة دون الاكتفاء بتبادل الرسائل.
وأفاد مسؤول إسرائيلي لوكالة رويترز أن العملية كانت قيد الإعداد منذ أشهر، وتم تحديد موعدها قبل أسابيع، رغم المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وعلم السكان ببدء الهجوم من خلال صفارات الإنذار ورسائل الطوارئ على هواتفهم، تحذيرًا من الردّ الإيراني المتوقع.
حسابات نتنياهو والتوازنات الإقليمية
ورغم أنه لم يعلن ذلك صراحة من قبل، يسعى نتنياهو إلى استغلال ضعف نظام آيات الله الداخلي والخارجي، إضافة إلى ضعف الميليشيات التي يدعمها في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، لإسقاطه.
إن إنهاء الجمهورية الإسلامية سيعزز التفوق الإقليمي غير المتنازع عليه لإسرائيل، عبر إزاحة خصمها الأكبر بعد إضعاف أو إخضاع أبرز داعميه.
ويُعدّ رضا بهلوي، نجل محمد رضا بهلوي شاه إيران السابق، أحد الأسماء المطروحة لتولي السلطة مستقبلًا، علمًا بأن الشاه أقام تحالفًا وثيقًا مع الدولة العبرية قبل سقوطه في ثورة 1979 الإسلامية التي انبثق عنها النظام الحالي.
كما يمنح ذلك نتنياهو ورقة سياسية مهمة قبيل انتخابات أكتوبر، في ظل تراجع فرص إعادة تشكيل ائتلافه الحالي مع القوميين المتشددين والمتدينين المتشددين، وفقًا لاستطلاعات الأسابيع الأخيرة.
استعدادات عسكرية وتصعيد متواصل
منذ عام 2024، كان انتهاء كل مواجهة بين إسرائيل وإيران بمثابة بداية العدّ التنازلي للمواجهة التالية.
ولهذا أبقت إسرائيل جيشها في حالة تأهب قصوى وتنسيق كامل مع واشنطن. وقال نتنياهو الأسبوع الماضي خلال حفل تخرّج عسكري: «الشرق الأوسط عند مفترق طرق. العناصر المتطرفة ترفض الاستسلام. نحن مستعدون لأي سيناريو. وإذا ارتكب آيات الله خطأ مهاجمتنا، فسيواجهون ردًا لا يمكنهم حتى تخيّله».
وصل هذا الأسبوع إلى إسرائيل 12 مقاتلة من طراز F-22، وهي طائرة شبح أمريكية من الجيل الخامس تُعدّ من الأكثر تقدمًا في العالم، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود وشحن في مطار بن غوريون قرب تل أبيب. ووصلت تسع طائرات خلال الليلة السابقة للهجوم وحدها.
كما وجّهت حكومة نتنياهو تحذيرًا واضحًا إلى لبنان مفاده أنه في حال تدخل حزب الله دعمًا لإيران، فستستهدف البنية التحتية الأساسية، بما فيها المطار الوحيد العامل في البلاد. وأقرّ وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بهذا التحذير الثلاثاء.
وأجرى مطار رامون الدولي في جنوب إسرائيل هذا الأسبوع مناورة طوارئ بمشاركة فرق إطفاء وشرطة وإسعاف وعسكريين، بينما طالبت بلدية حيفا بإعداد الملاجئ العامة «فورًا».
وتعمل الصناعات العسكرية الإسرائيلية منذ غشت/أغسطس على تسريع إنتاج صواريخ الاعتراض «آرو 3»، وهو النظام المضاد للصواريخ الذي استُخدم بكثافة في الحرب التي بدأت في يونيو، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة بقصف منشآت نووية إيرانية.
ويعتبر الإجماع السياسي والعسكري في إسرائيل أن تلك الحرب التي استمرت 12 يومًا كانت ناجحة، رغم مقتل أكثر من 30 شخصًا، واعتراض 86% فقط من أصل 550 صاروخًا باليستيًا، ما كشف ثغرات قاتلة في الدفاعات.
ولا تزال السلطات تتكتم على حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية.
ومع ذلك، أظهر الجيش الإسرائيلي مجددًا تفوقه التكنولوجي في المنطقة، لا سيما في الهيمنة الجوية. ففي الهجوم الأول استخدم أكثر من 200 طائرة مسيّرة دون أن يتم اعتراض أي منها، وبعد يومين أعلن نشر 50 مقاتلة فوق أجواء طهران.
وكان ذلك جزئيًا نتيجة الأضرار التي لحقت بإيران خلال مواجهتي 2024. بدأت الأولى بعد اغتيال ثلاثة قادة إيرانيين في هجوم على سفارة بلادهم في دمشق.
وردّت طهران بأكثر من 300 صاروخ وطائرة مسيّرة، قبل أن تقصف إسرائيل نظام الدفاع الجوي الذي يحمي منشأة نووية.
وفي يوليو، اغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران. وبعد شهرين، قتلت حسن نصر الله، زعيم حزب الله، ما أدى إلى هجوم إيراني جديد شمل نحو 180 صاروخًا باليستيًا، تم اعتراض معظمها.
كانت تلك مرحلة اختبار وقياس للقوة بين الطرفين، تمهيدًا للجولة الحالية.
وقالت المحللة ميراف زونسزاين من «مجموعة الأزمات الدولية» قبل اندلاع الحرب:
«إسرائيل تؤيد بقوة الحرب وتغيير النظام، لكنها تدرك أيضًا أن ذلك ينطوي على مخاطر وفوضى كبيرة، خصوصًا في حملة طويلة قد تكون هي الضحية الرئيسية فيها».
في ظل استمرار الهجوم على إيران وتبادل الضربات، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية.
فالتصعيد العسكري، والرد الإيراني، وإغلاق المجالات الجوية، جميعها مؤشرات على واقع أمني متقلب.
ومع تداخل العوامل السياسية والعسكرية، قد يعيد هذا الحدث رسم ملامح الأمن الإقليمي والتوازنات في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
كلمات لها دلالة :