عمدة الدار البيضاء: هل تحوّلت أزمة الماء إلى دعاية سياسية؟
© أيقونة : عبد الإله بوزيد :
2025/11/20
في خضم أزمة الماء التي تعصف بالمملكة، لم يكن متوقعاً أن يتحوّل خطاب شكر روتيني إلى قضية رأي عام. لكن حين وقفت عمدة الدار البيضاء لتعلن أن المدينة نجت بفضل “فرد” لا “مؤسسة”، فتحت باباً واسعاً للتساؤلات حول خلط العمل الحكومي بالدعاية الحزبية.
حين تختلط السياسة بالسراب في الدار البيضاء
ما كنتُ يوماً لأعترض على شكر من أحسن، ولا أن أبخس الناس أشياءهم.. فالاعتراف بالفضل فضيلة، والإنصاف خُلق الكرام..
لكنّي، وأنا أرقبُ ما جرى في خطاب حزبي بالدار البيضاء، وجدتُ نفسي أمام مشهدٍ يختلط فيه الماءُ بالسراب، وتضيع فيه الحقيقةُ بين ثنايا التمجيد المفرط..
خطورة اختزال جهود الدولة في شخص رئيس الحكومة
أن يخرج مسؤولٌ مؤتمنٌ على شؤون العباد، ليختزل جهود دولةٍ راسخة، ومؤسساتٍ عتيدة، وتوجيهاتٍ عليا، في “شخصٍ واحد”..
فذلك لعمري هو الخلل الذي يُخشى منه على الوعي العام.. إن عمدة الدار البيضاء، حين وقفت خطيبةً لتُعلن أن المدينة “نَجت من الكارثة” بفضل تدخل “شخصي” لـ رئيس الحكومة، لم تكن تُلقي مجرد خطاب سياسي عابر.. بل كانت، ربما من حيث لا تدري، تفتحُ باباً للريح لن يسهل إغلاقه..
أزمة الماء: منظومة مؤسسات لا بطولة فردية
الماءُ يا سادة.. شأنُه عظيم، وحقُّ الناس فيه مقدّس.. وإدارةُ الأزمات في بلدٍ كالمغرب، الذي يواجه جفافاً لم يعهد مثله منذ عقود، ليست بطولةً فرديةً تُسجّل في دفتر حسنات “الزعيم”..
بل هي منظومةُ دولة.. تبدأ من رؤية ومخططات الملك، وتمر عبر سواعد المهندسين في الوكالات، وصبر الناس، وجهد المؤسسات التي لا تنام..
فمن الظلم البيـّن أن نُقزّم هذا البنيان المرصوص، لنجعل الفضل كله معلّقاً بقميص رجل واحد، مهما علا شأنه..
مشاريع تحلية المياه وشبهات تضارب المصالح
ثم إن في الأمر شجناً آخر.. لقد نكأت هذه الكلمات جُرحاً كان الأولى به أن يُعالج بصمت وحكمة..
فالحديث عن “تحلية المياه” ومشروعاتها الكبرى، يعيدُ إلى الأذهان تلك التساؤلات التي تهمس بها المجالس، وتضج بها المواقع.. عن تداخل “الإمارة بالتجارة”.. وعن شركاتٍ تملكها عائلاتُ نافذة في السلطة، تظفر بصفقاتٍ تمس حياة الناس اليومية..
لستُ هنا قاضياً لأحكم بفسادٍ أو نزاهة، وإن كانت اتخدت مسارا إداريا معقولا وقانونيا .. لكنّ “فقه السياسة” يقتضي الحذر.. والابتعاد عن مواطن الشبهات أولى من تبريرها..
فكان حرياً بمن يتصدر المشهد ألا يستفزّ مشاعر المواطن الذي يكتوي بلهيب الأسعار وشح السماء، بخطابٍ يُصوّر المسؤول وكأنه “المنقذ الأوحد”..
الاستخفاف بذكاء المواطن والرأي العام الرقمي
يا قوم.. إن المبالغة في المدح ذمٌّ مبطّن.. وإن تحويل الواجب الوظيفي إلى “مكرمة شخصية” هو استخفافٌ بعقول الناس..
فالناسُ اليوم لم يعودوا كما كانوا.. وعيونهم التي تتصفح الشاشات المحمولة ترى ما لا يُقال في الميكروفونات الرسمية..
يرون الوعود التي ذبلت، والأرقام التي لم تتحقق، والواقع الذي يزداد قسوة.. فلا تزيدوا طينهم بلّة بخطاباتٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع..
حلم المسؤولية ومستقبل المشاريع الكبرى
أحلمُ بمسؤولٍ يعرف قدر الكلمة.. يدرك أن “الدار البيضاء” وغيرها من حواضرنا، تحتاج إلى عملٍ بصمت، وإنجازٍ يتحدث عن نفسه، لا إلى حناجر تصدح بالثناء في غير محله..
فالدولةُ باقية، والأشخاصُ زائلون.. ومشاريعُ الماء والحياة هي حقُّ الأمة، وميراثُ الأجيال، وليست هبةً من أحد..
فصححوا البوصلة، واحترموا ذكاء هذا الشعب، فإن الكلمة إذا خرجت مائلة، عادت على صاحبها وبالاً.. والزمن كفيلٌ بغربلة الزبد ليبقى ما ينفع الناس في الأرض.
وكل لبيب بالإشارة يفهمُ….
الخاتمة :
ختاماً، إن درس عمدة الدار البيضاء يؤكد أن المواطن المغربي يفرّق جيداً بين الإنجاز المؤسساتي والدعاية السياسية.
إن ملفاً حيوياً كملف أزمة الماء يتطلب تكاتف الجهود والشفافية، لا اختزال الوطن في أشخاص.
صححوا المسار، فالتاريخ لا يرحم، والماء حق للجميع وليس ورقة سياسية.
كلمات لها صلة بالموضوع :
مرحبًا بك في موقعنا الإخباري المثير " أيقونة بريس" ، حيث يتلاقى الحدث بالتحليل، والتقارير بالشغف. نحن هنا على مدار الساعة، جاهزون لنقدم لك أحدث الأخبار الوطنية والدولية، وليس فقط ذلك، بل نغوص أيضًا في عوالم الرياضة، الثقافة، والاقتصاد.
فريقنا المكون من صحفيين محنكين ليسوا فقط خبراء في مجال الإعلام، بل هم أيضًا روّاد في فن السرد. نحن نقوم بتحليل القضايا بشكل شيق ومثير، لنقدم لك تفاصيل لا تجدها في أماكن أخرى.