الجولة الملكية بدول الخليج : محطة نوعية لتعزيز آفاق التعاون الاقتصادي بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي

Spread the love

تقرير: عبد الحفيظ بنخويا
شكلت مشاركة جلالة الملك محمد السادس، في أشغال القمة المغربية الخليجية الأولى التي انعقدت بالرياض في أبريل الماضي، وقيام جلالته بزيارات أخوة وعمل لعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، محطة نوعية على درب تعزيز الشراكة الاستراتيجية التي تربط المغرب بأشقائه في المنطقة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية والاجتماعية.
وتؤكد الوقائع والشواهد، على أن أبرز ما يعزز الشراكة الخليجية-المغربية أنها تتسم بالشمول والتنوع والعمق، حيث تتضمن أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وثقافية، وهو ما يضمن لها التطور المتواصل، وفتح آفاق جديدة تواكب تطلع الجانبين نحو الارتقاء بمسار هذه الشراكة خلال المرحلة المقبلة، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة.
ويعد التوقيت المتميز للجولة الملكية، في ظرف يؤكد فيه المغرب موقعه كمحور اقتصادي ومركز للتقاطع بين القارات، مناسبة سانحة لإطلاق منحى استراتيجي جديد في التعاون المغربي الخليجي، ولاسيما في المجال الاقتصادي، وذلك بالموازاة مع العلاقات السياسية والديبلوماسية المتينة التي بلغت أرقى مستوياتها.
وإذا كان التعاون الاقتصادي والمالي بين المغرب ومجلس دول التعاون الخليجي قد تغير شكله على مدى العشر سنوات الأخيرة، ولاسيما بفضل الشراكة الاستراتيجية 2012-2017، فقد تزامن تطوره مع ما وصل إليه الاقتصاد المغربي اليوم، من نضج ونمو وتنمية متقدمة.
وبحسب التقرير الاقتصادي والمالي المرافق لقانون مالية 2016، فقد بلغ الحجم الإجمالي للاستثمارات الخليجية بالمغرب، خلال العشر سنوات الأخيرة، نحو 5 مليار دولار، منها 2,5 مليار دولار في طور الإنجاز، بالإضافة إلى المساهمات التمويلية لدول مجلس التعاون لفائدة مشاريع في قطاعات الفلاحة والسياحة والعقار والبناء.
كما ارتفعت المبادلات التجارية بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 11 في المائة كمتوسط سنوي لتستقر عند 28,6 مليار درهم سنة 2014، ممثلة بذلك 4,9 بالمائة من المبادلات الإجمالية للمغرب مقابل 3,6 بالمائة سنة 2000.
وتعكس هذه الأرقام إرادة الطرفين في المضي قدما في إرساء شراكة اقتصادية تنهل من معين المؤهلات والآفاق الواعدة المتاحة لتنمية روابط التعاون الاقتصادي.
والأكيد، أن الحضور المتزايد للاستثمارات الخليجية في المغرب، أضحى يشكل تجربة رائدة باعتبارها نموذجا متميزا للعمل الاقتصادي العربي المشترك، الذي يعد في جوهره صمام الأمان للمنطقة العربية ويؤسس مرتكزات ودعائم مستقبل عربي في عصر الجيل الجديد للتكتلات الاقتصادية العملاقة والعولمة.
ومكنت علاقات الأخوة التي جلالة الملك محمد السادس وقادة بلدان دول الخليج، والإصلاحات والأوراش الاقتصادية الوازنة التي ينفذها المغرب في مختلف المجالات، من جعل المملكة وجهة مفضلة للاستثمارات الخليجية بحكم الأرضية الاقتصادية الملائمة والمناخ الاستثماري الواعد، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على أرض الواقع من حيث الارتفاع المضطرد في حجم الاستثمارات والتبادل التجاري القائم بين الطرفين.
وهكذا، عبرت دول مجلس التعاون الخليجي ومؤسساته المالية والاقتصادية وقطاعه الخاص، غير ما مرة عن تطلعهم الكبير إلى زيادة الاستثمار والانفتاح على السوق المغربية والاستفادة من إمكانياتها الاستثمارية، ولاسيما ما توفره من إمكانية لولوج السوق الافريقي الكبير والواعد.
وساعدت السياسة الحكيمة التي يحرص جلالة الملك محمد السادس على بلورتها، في مجال الانفتاح على افريقيا، وتعزيز التعاون جنوب جنوب، على جعل المغرب منصة كبرى للاستثمار والتصدير وبوابة رئيسية لا غنى عنها، لأي راغب في ولوج السوق الافريقي الذي يعيش على إيقاع نمو قوي ومتسارع، جعله مطمحا لجميع الفاعلين الاقتصاديين العالميين.
ومن جهة أخرى، شكل خطاب جلالة الملك في افتتاح القمة الخليجية المغربية، بمحتواه القوي والجريء والوازن، دفعة قوية للتعاون والشراكة الاقتصادية بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما في ظل تأكيد جلالة الملك على ضرورة مأسسة العلاقات بين الطرفين وجعلها ترتقي إلى مستوى أقوى وأكبر متانة.
وفي هذا الصدد، شدد جلالة الملك في خطابه أمام القمة المغربية الخليجية، على أن “الشراكة المغربية الخليجية، ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة. وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير، ومن تطابق وجهات النظر، بخصوص قضايانا المشتركة”، مؤكدا جلالته على أن اجتماع الرياض جاء ” لإعطاء دفعة قوية لهذه الشراكة، التي بلغت درجة من النضج، أصبحت تفرض علينا تطوير إطارها المؤسسي، وآلياتها العملية”.
كما أبرز صاحب الجلالة بهذه المناسبة أن القمة المغربية الخليجية تعد ” رسالة أمل لأنفسنا، وإشارة قوية لشعوبنا، على قدرتنا على بلورة مشاريع تعبوية مشتركة”.
وبحسب المراقبين فإن التناغم والتطابق التام في وجهات النظر بين جلالة الملك وإخوانه من قادة دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما على مستوى الدعوة إلى تنويع الشراكات مع التكتلات الاقتصادية العالمية والدول الكبرى، يؤشر إلى ما ستعرفه العلاقات والشراكة الاقتصادية بين الجانبين قريبا من نقلة نوعية.
ويوفر المغرب، الذي انخرط منذ سنوات عديدة في ورش مفتوح وضخم للإصلاح وإعادة الهيكلة، مناخا استثماريا ملائما، كفيلا بجذب كبار المستثمرين العالميين وفي مقدمتهم الأشقاء بدول الخليج العربي، حيث يقترح العرض الاستثماري المغربي في هذا السياق فرصا كبيرة تهم قطاعات العقار والسياحة والفلاحة، إلى جانب قطاعات جديدة متنوعة وواعدة من قبيل التكنولوجيات الحديثة والصناعات الغذائية والكيماوية وصناعة الأدوية والسيارات والطيران والطاقات المتجددة.
وحري عن التذكير بأن، الاستراتيجيات القطاعية الواعدة التي انخرط المغرب في تنفيذها على مدى السنوات الأخيرة، من قبيل مخطط الإقلاع الصناعي ومخطط المغرب الأخضر والمغرب الرقمي والمخطط الأزرق ومخطط أليوتيس واستراتيجية الطاقات المتجددة٬ إلى جانب اتفاقية التبادل الحر التي تجمعه مع الولايات المتحدة الأمريكية، والوضع المتقدم المخول له من طرف الاتحاد الأوروبي، تشكل محفزات موضوعية لجذب الاستثمارات الخليجية وتعزيز حضورها في السوق المغربية.

Spread the love