قراءة في رواية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني

©أيقونة بريس: تقديم: شيماء شكري- طالبة بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس

16 / 04/  2021  التحديث في 18،20 //

كلما بادرت إلى أخذ تذكرتي وهممت عاقدة العزم على السفر إلى عالم الرواية، كلما استدعى ذهني ذلك المقبوس الذي يقول فيه محمود درويش: * نحن لا نخدم شعوبنا بالنصوص الرديئة *

وبمجرد أن أصل إلى وجهتي المحددة التي اخترت أن تكون نقطة الوصول إليها تترسخ هذه الفكرة في ذهني جيدا. وتزداد الفكرة علوقا إذا قررت أن أطالع مؤلفات الأديب والمناضل الذي كرس قلمه لخدمة القضية الفلسطينية وحمل على عاتقه مسؤولية إيصال معاناة الملايين من الفلسطينيين، الذين أبوا أن يتركوا الوطن للاحتلال الصهيوني يفعل إزاءه ما يشاء فكان لهم أن يختاروا واحدا من خيارين لا ثالث لهما، إما الاستشهاد أو الجهاد حتى ولو كان الثمن قضاء حياته في سجون الاحتلال المقيتة التي يتحول فيها الإنسان إلى مرتبة دون الحيوان.
ولعل في ما جاء على لسان جولدا مائير عن غسان: ** اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح، فغسان بقلمه كان يشكل خطرا على إسرائيل أكثر مما يشكله أي فدائي مسلح، لم تكن تعرف أن الفكرة لا تموت، لروحك المجد والسلام** ما يعزز القوة الإبداعية التي تملكها غسان كنفاني والتي سخرها لخدمة وطنه، فكلما طالعنا ما جادت به قريحته الفكرية زاد اليقين رسوخا بأن الأدب عندما يكون جيدا يكون له مفعول يشابه مفعول الرصاص تماما.
وإيمانا مني كقارئة أولا، ودارسة للأدب العربي ثانيا بأن الرواية أفق للكونية وجسر للتواصل مع كل الحضارات على اختلاف شاكلتها فإنني قررت أن أقوم بقراءة متواضعة في رواية عائد إلى حيفا ، لهذا المبدع الذي جعل كتابته مدوية في أرجاء العالم ، آملي من ذلك أن أوصل للكل رسالة مفادها أن الرواية هي جنس تعبيري يجدد اللغة ويرتاد فضاءات كانت مغيبة من ذي قبل، إذ الرواية في جوهرها شكل متمرد على التخوم والتعقيدات المقيدة، راجية من قرائتي هذه أن تزيح عن عقل قارئها تلك الأفكار الضاربة في نفعية الرواية والناظرة إليها شزرا على اعتبارها ليست إلا جنسا يلتجئ إليه المتلقي لتزجية الوقت بعد رحلة شاقة قطعها هذا القارئ مع كتب الفكر بتعدد أنواعها .
ولعل من أدبيات قراءة نتاج أدبي ما أن نحيل إلى أهم المضامين التي احتواها في ثناياه.
رواية: “عائد إلى حيفا” هي رواية تشير إلى ذلك الحب الذي يستوطن قلب كل كائن منا، إنه حب الوطن لتدور معظم أحداثها في الطريق إلى حيفا عندما قرر سعيد وزوجته صفية الذهاب إلى هناك بعد أن فتحت الحدود بين الكيان الصهيوني والفة الغربية بعد حرب سنة 1967 لتفقد بيتهما الذي تركاه، وتركا وسطه رضيعها إبّـان معركة حيفا 1948 .
وأنشبت المفاجئة أظفارها في قلب صفية وسعيد بعد وصولهما إلى منزلهما واكتشافهما الحقيقة المرة وهي أن عائلة يهودية استولت على منزلهما بل وعلى ذلك الشيء الثمين الذي كانا يأملان رجوعه إلى حضنهما، ابنهما خلدون التي غيرت تلك العائلة اسمه إلى دوف.
ولأن غسان عاشق البنيات الترميزية في نصوصه الإبداعية فإن هذه المفاجئة التي تخللت مسار الأحداث كانت إحالة قوية لسؤال خفي في هذه البنية وهو: هل ستذكر المدن والقرى وبقايا المنازل اللاجئين الذين تركوها عند عودتهم لها أم ستنسى وجودهم في أيام خوالي عندما كانت فلسطين تنعم بالهدوء والسلام الداخليين؟
وقد كانت لكل شخصية في هذه الرواية سواء ثانوية أو رئيسة أدوار دلالية تعبر عن قناعات وأفكار جوهرية تحملها هذه الشخوص اتجاه الوطن – الوجود، تقول رضوى عاشور في * الطريق إلى الخيمة الأخرى، دراسة في أعمال غسان كنفاني 1977 *: إن شخصيات الرواية تعبر عن أفكار وقناعات أكثر منها شخصيات أخذت مداها في النمو الفكري لكي تخرج لنا وجوديات حية لها وزنها وقيمتها في الرواية …ص 144
كان غسان ذكيا في اختياره لأبطال روايته واختيار الأدوار المناسبة لكل واحد منهم، إذ هو كان يعي جيدا سياسة هذه الأفعال واستطاع تقديم صورة لها ولطرق التفافها على ذاكرة ذلك الشعب المهجر، ولذلك نجد في ثنايا الأحداث بصيص الامل الذي حاول أن يبعثه في نفوس المهجرين عن طريق الحوار مع العجوز التي أخذت ابن سعيد وصفية، حوار ربما يقنعها بما ارتكبه قومها، وبالتالي قرار التخلي عن خلدون ومنزل خلدون * فلسطين*
لكن ما يلبث أن يزيح من على عقل القارئ تلك اللذة بعدما يصور كيف أن هذا الجيل الجديد من خلال شخص خلدون قد رضي بالإقامة تحت هذا العدو الحنون، ذلك العدو الذي تفنن في حقنهم جرعة الولاء له حتى أصبحوا لا يسطعون فراقه بل ويرونه هو الأحق بأرضهم ولا يألون جهدا في الدفاع عنه، أليس ذلك ما قاله دوف لسعيد بعدما عاد ليراه وما الإنسان إلا قضية أيهما خدمها ربحها ، هذا ما سيجعل سعيد يقتنع بفكرة أن الإنسان قضية ، ويتخذ قرار انخراط ابه الآخر في صفوف المقاومة المسلحة بعدما كان قد امتنع عن الإذن لابنه هذا بالالتحاق .
إن غسان كنفاني مثقف عضوي بتعبير غولدمان، انخرط في الدفاع عن مشاكل وطنه بقوة وكرس مفهوم الوطنية بالقلم والسلاح معا، وفي كل قراءة تجمعني بمؤلفاته يتأكد لي بالملموس أن جمالية النص الأدبي تكمن في أنه يستقبل كل القراء على اختلافهم، إذ هو لا يختار قارئا بعينه، منفتح على الجميع.
إن الأدب هو معلمة لحيوات عديدة، معلمة تكتسب غناها من القراءات والتأويلات المتعددة لمختلف القراء من بقاع العالم، وفي كل قراءة يعلمنا الأدب أن الحوار فعلا لا يكون إلا مع المختلف.