قراءة في رواية : بعيدًا من الضوضاء، قريبًا من السُكات للروائي محمد برادة

©أيقونة بريس: تقديم: عدنان زقوري ®طالب باحث بسلك الماجيستر (بني ملال) :

 

14/04/2021 التحديث في 18،20 //

بعيدًا من الضوضاء، قريبًا من السُكات رواية للروائي المغربي محمد برادة. صدرت الرواية لأول مرة عام 2014 عن دار الفنك للنشر في الدار البيضاء، بالاشتراك مع دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت. ودخلت في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2015، المعروفة باسم «جائزة بوكر العربية.

على القارئ الحاذق أن يكون مُتمكنا في اختياراته القرائية، لا أن يلتهم كل شيء. إن الاختيار يدخل في تكوين شخصية الإنسان الفكرية – خصوصا في الروايات- هناك روايات تستفز العقل وتجعلهُ يُمحصها تمحيصا ويُعيد قراءتها مرارا وتكرارا، وهُناك بعض من الروايات تَخلُقُ لدينا فقط المُتعة، بينما تتلاشى هذه المُتعة بعد سويعات من إنهاء الرواية.
وإني أُجدُ رواية “بعيدا من الضوضاء قريبا من السُّكات” لكاتبها محمد برادة تدخُلُ ضمن هذا النمط من الروايات التي تُجهِدُ العقل، وتَجعلهُ يُقلب الأحداث ذات اليَمين وذات الشمال لعله يظفر بمقصديه المؤلف.
رواية “بعيدا من الضوضاء قريبا من السُّكات” رواية تاريخية بالمقام الأول، أثثت بأسلوب روائي، شخصياتها تتحدث بلسان التاريخ، والسبب في تأليفها تاريخي، إنها تفاصيل حول المغرب الحديث وفق رؤية ثلاث شخصيات (توفيق الصادقي-فالح الحمزاوي-نبيهة سمعان)
فكانت هذه الشخصيات بمثابة عبورنا إلى استكناه واستكشاف حقبتي المغرب: الاحتلال، وبعد الاستقلال. فتَجِدُ توفيق الصادقي السيد المُخضرم يَعبُرُ بنا بين الفترتين، بينما كل من الحمزاوي ونبيهة سمعان بَعبُران بنا إلى ما بعد الاستقلال وبداية الألفية.
إضافة الى أن القارئ لهذه الرواية لا بد أن يكون مُطلعا إلى حد ما على حوادث التاريخ، أو على الأقل يتصف بنوع من البحث والتنقيب؛ لان الكاتب يعتَمِدُ الأسلوب الإيحائي، لا يذكر التفاصيل كاملة خصوصا في بعض الأحداث السياسية فقط يذكر إشارات سَيفهمُ من خلالها القارئ الحيثيات، ونُمثل لذلك مثلا في قول فالح الحمزاوي في ص 129:” تساءلت آنذاك، هل يكفي أن نبتدع مثل هذه الجُمل الفضفاضة (خطأ في المنهجية الديمقراطية) لنحتج على إجراء تعسفي يعود بالبلاد إلى منطقة السكتة والشلل وبرلمانات السيرك؟ توقع الرأي العام ان ينسحب الحزب من الحكومة عقب تلك الإهانة العلنية الصراع، إلا أٔن فئة من المستوزرين والذين ذاقوا “البزولة” واستطابوا الكراسي سرعان ما زعموا أن الانسحاب هو تخل عن برنامج الإنقاذ الذي طرحه الحزب، ومن ثم ضرورة المشاركة في الحكومة الجديدة للسهر على تطبيق ما بدؤوه، من سيسهر على ماذا؟ وأي سلطة يملكها من ينصب نفسه ساهرا على برنامج تطايرت محتوياته شذر مذر؟” إن الحديثَ ها هنا عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي أُبعد عن رئاسة الحُكومة لصالح ادريس جطو سنة 2002، إلا أن التمسك بالكراسي والرضاعة من ثدي النظام جعل بعض وزرائه يتضرعون التمسك بالحقائب الوزارية وتلك كانت الضربة التي قسمت ظهر الحزب إلى الآن.
الرواية تُعالجُ مجموعة من القضايا التي برزت في تلك الفترة أيضا؛ يُمثلها توفيق الصادقي في ذلك التمزق النفسي بين ثقافتين، إنها صدمة الحداثة التي أصابت عديدَ المغاربة في تلك الفترة، ما أدى إلى تمزق فكري بين الثقافة التي اعتبرت بالنسبة لهم النموذج والثقافة المغربية باعتبارها تجسيدا للهوية.
ثم فالح الحمزاوي المُمارس للعمل السياسي والمبدئي في مواقفه تجاه القضايا الشعبية الذي عاش الخُذلان بعد أن أصبح الحزب الذي تربى في كنفه يتنكر لمواقفه ويُصبح قطعة من الشطرنج يُحركها النظام أنا شاء. ثُم تلك العلاقات الحميمية التي كانت نهايتها مأساوية، إلا أنها كشفت له عن أبعاد أنثوية أخرى، ولأكون أكثر تدقيقا ذلك الجانب الأنثوي المتمرد؛ المتمرد على الموروث والمحافظ، بل ذلك المتمرد على سنن الحياة (الزواج). إنها الأنثى التي لا تعيش أوهام الرومانسية والحب بل تمنح لجسدها حق التمتع وحرية الغربة ولا تخضع لمقتضيات الثقافة، الموازنة بين رغبة الجسد والرغبة في الاكتفاء الذاتي المعيشي.
عرج بنا الروائي محمد برادة إلى عوام أخرى في شخصيته الثالثة (نبيهة سمعان) عالم لا يقل أهمية عن المجال السياسي والصراعات الإيديولوجية في فترتي الحماية وما بعد الاستقلال، لعله عالم ممزوج بالثقافة والمُجتمع: إنه عالم المرأة ولعلي أكون أكثر تحديدا إذا قُلت قضايا المرأة في شموليتها.
لعل قضية المرأة من بين النقاشات التي كان لها صدى واسع ما بعد الإستقلال، المرأة في علاقتها بالمجتمع وسيطرة النزعة الذكورية، والمرأة في علاقتها بالثقافة المغربية التي كانت آنذاك تحد من حريتها وتفرض عليها القيود، وتجعلها فضاء رحبا للدونية والاضطهاد. يُطل علينا محمد برادة بشخصية فريدة في حياتها، قد تُشكل صدمة لذوي الحزازات وقد يشعر آخرون بالاستفزاز العقلي والنفسي وهم يتبحرون في عالم هذه الشخصية.
لقد كان محمد برادة جريئا في طرح قضاياه، ناقدا قبل أن يكون روائيا ساردا، لا يضع أمامه البتة الحواجز ولا الطابوهات، كاشفا عن حقائق تاريخية قد لا يُدركها إلا العالم بالتاريخ المغربي فترتي الاستعمار وما بعد الاستقلال لتكون هذه الرواية مجالا فكريا للتحليل والتأويل وتمثل التاريخ المغربي.