الترحال السياسي من حزب إلى آخر ظاهرة في الانتخابات التشريعية بالمغرب

ظاهرة الترحال السياسي قبل تشريعيات 2026: هل هي قناعة أم بحث عن “مظلة”؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، تتجه الأنظار نحو ظاهرة الترحال السياسي بالمغرب. تحركات مكثفة واستقالات متتالية لأبرز النخب السياسية تسلط الضوء على دوافع تغيير الألوان الحزبية؛ فهل يعبر هذا التحول عن إعادة هيكلة حقيقية للمشهد الانتخابي، أم يمثل مجرد استراتيجية براغماتية للبحث عن التموضع والنجاح؟

│ © أيقونة: محمد العسري │ التاريخ: 2026/08/31 │ مدة القراءة: 4 دقائق │

 

تستعد الساحة الوطنية لخوض غمار الاستحقاقات المقبلة وسط تحركات متسارعة تعيد تشكيل التحالفات الحزبية وتثير تساؤلات ملحة حول مستقبل المشاركة السياسية.

فمع تقاطر ملفات الاستقالات على الجهات المختصة، يجد القارئ والناخب نفسه أمام مشاهد مألوفة بألوان جديدة، مما يدعو لخوض قراءة عميقة للواقع السياسي الراهن.

 

 خلفيات ظاهرة الترحال السياسي قبيل تشريعيات 202

 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، يعود إلى واجهة النقاش السياسي المغربي واحد من أكثر المواضيع إثارة للجدل وهو الترحال السياسي وتغيير الانتماءات الحزبية.

تعرف الساحة السياسية تحركات لعدد من الأسماء التي سبق لها أن خاضت تجارب انتخابية بألوان حزبية مختلفة، سواء داخل البرلمان أو الجماعات الترابية.

وتأتي هذه التحركات المحمومة في وقت يبحث فيه السياسيون عن خيارات جديدة، وذلك في ظل إعادة ترتيب التحالفات والحسابات الانتخابية المعقدة.

علاوة على ذلك، أحيلت على المحكمة الدستورية ملفات عدد من النواب الذين قدموا استقالاتهم من مجلس النواب، في سياق يرتبط بتغيير مواقعهم وانتماءاتهم السياسية.

وهي معطيات تعيد طرح السؤال القديم المتجدد حول ماهية هذه التحركات وتوقيتها المريب قبيل كل استحقاق انتخابي حاسم.

فهل نحن أمام ظاهرة طبيعية لإعادة تشكيل النخب السياسية، أم أمام نخب تجيد قراءة اتجاهات الرياح الانتخابية وتسعى لضمان موقعها في المشهد المقبل؟

 

 بين حق الاختيار السياسي ومنطق البحث عن المظلة في الأحزاب المغربية

 

بناءً على هذا السياق، ومن الناحية السياسية، لا يمكن اختزال انتقال منتخب أو سياسي من حزب إلى آخر في توصيف واحد وناجز.

فالحياة الحزبية بطبيعتها تعرف تحولات وانقسامات وإعادة تموقع، وقد يكون الانتقال أحيانا نتيجة خلافات تنظيمية حادة أو اختلاف في التصورات.

كما قد يتأتى هذا التحول من اقتناع سياسي جديد أو رغبة صادقة في خوض تجربة داخل مشروع حزبي أكثر انسجاما مع قناعات المعني بالأمر.

لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح تغيير اللون الحزبي ممارسة متكررة مرتبطة أساسا بالمواعيد والآجال الانتخابية فقط.

مما يضع الناخب المغربي في نهاية المطاف أمام أسماء مألوفة تتكرر بصفة مستمرة ولكن داخل لافتات حزبية مختلفة ومتنوعة.

وهنا يبرز سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة الرابطة بين المنتخب والحزب والناخب في هذه الدورة الانتخابية.

وبناءً عليه، نطرح التساؤل: هل الولاء السياسي مرتبط بالمشروع والبرنامج والمؤسسات، أم أصبح مرتبطا بفرص الترشح وحظوظ الفوز بالاقترع؟

والحقيقة أن الحكم على كل حالة بشكل منفرد يبقى أكثر إنصافا من إطلاق أحكام جماعية عامة على الجميع دون تمييز.

لأن دوافع الانتقال السياسي ليست بالضرورة واحدة، كما أن بعض التحولات قد تكون نتيجة صراعات داخلية أو مراجعات سياسية حقيقية.

 

 المحكمة الدستورية وتوالي الاستقالات: مشهد يعيد إنتاج نفسه

 

وفي هذا الصدد، الأرقام والأسماء المتداولة قبيل استحقاقات 2026 تعطي الانطباع بأن الظاهرة لم تعد مجرد حالات فردية معزولة.

بل أصبحت تشكل جزءا أساسيا لا يتجزأ من المشهد السياسي العام الذي يسبق الانتخابات التشريعية المغربية.

وقد شملت الاستقالات المحالة على المحكمة الدستورية بحسب المعطيات الرسمية المتداولة أسماء بارزة من مختلف الفرق البرلمانية.

حيث شملت التحركات أعضاء من فريق الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، وفريق الحركة الشعبية.

كما امتدت الاستقالات لتشمل الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، إضافة إلى أسماء من جبهة القوى الديمقراطية والفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية.

واللافت في هذه الظاهرة ليس فقط عدد الأسماء، وإنما طبيعة الأسئلة الجوهرية التي تطرحها على واقع الحياة الحزبية المغربية.

ونتيجة لتقاطع هذه المعطيات، يطرح المتابعون سؤالا ملحا: لماذا تتكرر إعادة توزيع الأسماء نفسها عبر الخريطة الحزبية الوطنية؟

فإذا كان المواطن يجد أمامه السياسي ذاته في أكثر من محطة انتخابية بألوان مختلفة، فإن النقاش يبتعد عن الأشخاص.

وينتقل مباشرة إلى بنية الأحزاب المغربية ومدى قدرتها على صناعة نخب جديدة، ومدى ارتباط الناخب بالمشروع الحزبي بدلاً من الأشخاص.

 

 قراءة في خفايا المشهد: تدوير للنخب أم استشراف انتخابي؟

 

استناداً لما سبق، قد يكون من السهل وصف الظاهرة بأنها مجرد ترحال سياسي عابر وموسمي، لكن القراءة الأعمق تقود لتفسير مختلف.

حيث تظهر التحليلات أن النخب السياسية لا تتحرك دائما اعتباطا، وإنما تحاول قراءة موازين القوى واستشراف اتجاهات المشهد الانتخابي المقبل.

فالسياسي مثل غيره يراقب استطلاعات الرأي، وموازين القوى محليا ووطنيا، وقوة التنظيمات وحظوظ المرشحين المختلفة.

كما يتابع السياسي عن كثب طبيعة التحالفات ومدى قدرة هذا الحزب أو ذاك على توفير شروط المنافسة الانتخابية العادلة.

ومن هذه الزاوية التقييمية، يمكن النظر إلى بعض الانتقالات باعتبارها نوعا من إعادة التموضع السياسي أكثر منها مجرد هروب من سفينة لأخرى.

غير أن هذه القراءة السياسية تظل سلاحا ذا حدين قد ينعكس سلباً أو إيجاباً على المسار الانتخابي للمرشح.

فإذا كان السياسي قادرا على استشراف المتغيرات، فإن الناخب أيضا أصبح أكثر قدرة على ملاحظة هذه التحولات ومساءلتها بشدة.

وقد يتحول هذا الانتقال الحزبي المتكرر من ورقة رابحة إلى عبء انتخابي ثقيل، خصوصا عندما يشعر الناخب بغياب المبدأ.

أي عندما يترسخ الانطباع بأن الحزب أضحى مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمان والمنصب وليس إطارا يحمل مشروعا واضحا.

الخاتمة 

في المحصلة، يتضح أن الترحال السياسي ليس ظاهرة مغربية خالصة، كما أن تغيير الانتماء الحزبي لا يعني بالضرورة غياب القناعة، بل تكمن الخطورة عندما يتحول الأمر إلى ثقافة انتخابية طارئة تُفرغ البرامج الانتخابية من محتواها.

إن الرهان الحقيقي في تشريعيات 2026 لا يقتصر على صراع الأحزاب المغربية، بل يمتد لمدى قدرة النخب السياسية المتنقلة على إقناع الناخب المغربي بجدوى تحولاتها.

وفي الأخير، يظل صندوق الاقتراع هو الفاصل الوحيد والقادر على إعادة ترتيب كافة الحسابات السياسية.

الروابط الخارجية:

المحكمة الدستورية