أزمة سبتة: من تدفقات الهجرة إلى أزمة دبلوماسية معقدة

أزمة سبتة: كيف تحولت موجة الهجرة إلى صدام سياسي بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي؟

🔄 آخر تحديث: 9 غشت، 2026

في ظرف ساعات، تحولت سبتة من مدينة متنازع عليها إلى بؤرة أزمة سياسية شاملة تجمع الهجرة والقانون والدبلوماسية. آلاف المهاجرين حاولوا العبور سباحة يوم 30 يوليوز، ما خلّف ضحايا وأربك السلطات الإسبانية، ودفع الرباط ومدريد وبروكسل أمام اختبار حقيقي لهشاشة الحدود الجنوبية لأوروبا.

 

الكاتب : عبد الإله بوزيد | التاريخ: 2026/07/30 | مدة القراءة: 3 دقائق |

 

منذ الساعات الأولى ليوم 30 يوليوز، لم تعد سبتة مجرد مدينة صغيرة محتلة متنازع عليها على الساحل الشمالي للمغرب.

تحولت، في غضون ساعات، إلى بؤرة أزمة سياسية متكاملة الأركان، تتقاطع فيها الهجرة والقانون والدبلوماسية.

هذا التطور وضع كلاً من الرباط ومدريد وبروكسل أمام مرآة لا ترحم.

 

 تصاعد غير مسبوق في أرقام الهجرة نحو سبتة

 

الأرقام وحدها كافية لقول ما لا تقوله البيانات الرسمية: أكثر من 2800 مهاجر عبروا نحو سبتة منذ فاتح يناير وحتى 15 يوليوز 2026.

هذا الرقم يقابله 1133 فقط خلال الفترة ذاتها من سنة 2025، وأغلب العبور كان عبر طريق جزر الكناري أي أن التدفق تضاعف بأكثر من الضعف في أقل من سنة.

ومنذ فصل الربيع، أصبح البحر – انطلاقاً من الفنيدق وبنزو — المعبر الرئيسي، متجاوزاً حتى طريق جزر الكناري التقليدي.

 

يوم 30 يوليوز: تجاوز كل المؤشرات

 

لكن ما وقع يوم 30 يوليوز تجاوز كل هذه المؤشرات.

آلاف الأشخاص، في غالبيتهم شبان مغاربة، إلى جانب نساء وأطفال، حاولوا السباحة نحو الشاطئ الإسباني في وقت واحد، بينما كان بعضهم يهتف “عاشت إسبانيا”.

الحرس المدني الإسباني والشرطة الوطنية وجدا نفسيهما عاجزين عن الاحتواء، وتم وضع فيلق الجيش في حالة تأهب.

الحصيلة كانت مأساوية: ثلاث جثث انتُشلت من شاطئ تراخيل، لترتفع الحصيلة الإجمالية للوفيات على هذا المعبر منذ بداية السنة إلى 29 حالة، 10 منها في يوليوز وحده.

 

 من أين جاء هذا الانفجار؟

 

جزء من التفسير يقودنا مباشرة إلى التذكير بصدور قرار قضائي.

اعتبرت المحكمة العليا الإسبانية، في مستهل هذا الشهر يوليوز، أن اعتراض المهاجرين في عرض البحر وإعادتهم فوراً إلى المغرب دون مسطرة قضائية مسبقة يشكل “تجاوزاً للسلطة”.

هذا لأن البحر لا يمكن اعتباره حدوداً مغلقة فعلياً.

نقابات الشرطة الإسبانية حذرت فوراً من أن هذا القرار سيفتح “شهية” جديدة لعبور المهاجرين. لكن هل يعلم أغلب المهاجرين وجود هذا الحكم القضائي؟

من المرجح أن الدعوة تنطلق عبر شبكات التواصل الاجتماعي للقيام بالعبور الجماعي، على غرار ما وقع في تجمعات الفنيدق في شتنبر 2024.

 

 سبتة تطالب بإعلان حالة الطوارئ، مدريد ترفض

 

رئيس بلدية سبتة، خوان خيسوس فيباس، وصف الوضع بـ”الإنسانية والاجتماعية القصوى”.

أكد أن مراكز إيواء القاصرين غير المرفوقين تعمل بأكثر من عشرين ضعف طاقتها الاستيعابية.

طالب الحكومة المركزية بإعلان حالة الطوارئ الوطنية، ونشر الجيش، وتعديل التشريع لتسريع إعادة من يعبرون سباحة.

لكن حكومة بيدرو سانشيز رفضت الطلب، معتبرة أن تدفقات الهجرة لا تدخل ضمن آلية الحماية المدنية التي تُفعَّل بها حالة الطوارئ.

اكتفت مدريد بإرسال وزير الداخلية فرناندو غراندي – مارلاسكا إلى عين المكان يوم الخميس.

أشاد الوزير بـ”التعاون الوثيق والوفي” مع السلطات المغربية في عمليات الاعتراض، دون أن يصدر عن الرباط أي بيان رسمي حتى الآن.

 

 انقسام سياسي داخل إسبانيا

 

هذا الرفض السياسي فجّر بدوره جبهة داخلية إسبانية.

الحزب الشعبي يتهم حكومة سانشيز بالتقاعس، وحزب فوكس المتطرف يطالب باستقالة رئيس الحكومة ووزير داخليته.

في المقابل، يأخذ حزب بوديموس اليساري على الحكومة موقفاً معاكساً تماماً، متهماً إياها بعدم تفعيل حالة الإنذار أصلاً.

كل هذا يتزامن مع ملف حساس آخر يشتعل في الخلفية: مسطرة تسوية وضعية أكثر من 1.3 مليون مهاجر، وهو مشروع يخوض ضده اليمين واليمين المتطرف معركة سياسية شرسة.

 

 الفارق الجوهري مع أزمة 2021

 

يستحضر كثيرون أزمة ماي 2021، حين دخل أكثر من 8000 مهاجر إلى سبتة في يومين.

جاء ذلك إثر استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو إبراهيم غالي في مستشفى خارج إقليم مدريد باسم مستعار.

لكن الفارق هذه المرة جوهري: لا مدريد ولا أي طرف أوروبي يربط الموجة الحالية بقرار سياسي صادر عن الرباط.

التعاون الأمني المغربي الإسباني، بحسب الرواية الرسمية الإسبانية نفسها، لم يتراجع بل تكثّف.

فقد اعترض الدرك الملكي والبحرية الملكية المغربيان مئات المهاجرين قبالة القصر الصغير وبنيونش.

 

 خاتمة:

يبقى السؤال المفتوح معلقاً فوق كل التصريحات الرسمية: هل ستنجح الرباط ومدريد وبروكسل في احتواء هذا الملف بمنطق التعاون الأمني وحده؟

أم أن أزمة سبتة كشفت، مرة أخرى، هشاشة بنيوية في تدبير أوروبا لحدودها الجنوبية؟

هشاشة لن يكفي لسدها لا حكم قضائي، ولا تصريح دبلوماسي مجامل.

كلمات لها صلة بالموضوع :

 

.