الدبلوماسية المغربية، فن القوة الصامتة
🔄 آخر تحديث: 26 أبريل، 2026
بينما يتخبط الفاعل الإقليمي في ضجيج “البروباغندا“، يرسخ المغرب نموذج “هندسة النتائج” القائم على “التحفظ الاستراتيجي“. عبر تفعيل سبعة مسارات دولية في 96 ساعة، تحول الاستقرار إلى “ميزة تنافسية” تمنح الدبلوماسية المغربية قدرة استثنائية على المناورة. إنه عبور من سياسة “رد الفعل” إلى “الحياد الفاعل” الذي يعيد صياغة موازين القوة في قارة منهكة.
في أقل من أربعة أيام، سجّل رئيس الدبلوماسية المغربية سبعة التزامات دبلوماسية على ثلاث قارات. درسٌ في المنهج لقارة كثيرًا ما تخلط بين الضجيج والتأثير.
حين لا تكون الاتصالات سياسةً
ثمة وهمٌ متجذّر في المشهد الدبلوماسي المعاصر: وهم أن الضجيج الإعلامي يساوي نفوذًا.
المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والظهور التلفزيوني الاحتفالي، والخطابات المتحمسة من على منابر صاخبة – كل ذلك قادرٌ على محاكاة القوة دون أن ينتج أيًّا من آثارها الفعلية.
جعلتْ بعض الدول الأفريقية : ( مصر، تونس، الجزائر، السنغال ) ، من ذلك استراتيجيةً افتراضية عبر شبكة التواصل الاجتماعي، مستعيضةً بالخطاب عن الرؤية، وبالاستعراض عن بناء التحالفات بصبرٍ ومثابرة.
أما المغرب، فقد اختار العكس. لم يختار الصمت – بل التحفّظ الاستراتيجي. لم يختار الغياب – بل حضورٌ منهجي ومنضبط، موجَّه نحو نتائج ملموسة وقابلة للقياس.
الفارق بين المقاربتين ليس في الأسلوب؛ إنه فارقٌ جوهري.
« لم تُبنَ الدبلوماسية المغربية بالضجيج، بل بالعمل والصبر ورؤية بعيدة المدى. »
تسلسلٌ دبلوماسي استثنائي
تجلّت أحدث مظاهر هذا النهج في أقل من أسبوع واحد.
في غضون أربعة أيام فحسب، أجرى وزير الخارجية ناصر بوريطة سلسلة من الزيارات والاستقبالات التي تُـثير حصيلتها الانتباه بحق.
بدأ بوريطة جولته في مصر، حيث أكّدت القاهرة رسميًّا اعترافها بمغربية الصحراء.
وعند عودته إلى الرباط، استقبل نظيره الهولندي وحصل على التزام مماثل من لاهاي. وفي اليوم ذاته، أكّد رئيس برلمان باراغواي موقف بلاده.
في اليوم التالي، توجّه نحو نيروبي: فانضمت كينيا إلى القائمة. ثم النيجر، ثم باماكو – إذ سحبت مالي في الوقت ذاته اعترافها بالبوليساريو – قبل أن يعود إلى العاصمة لاستقبال وزيري خارجية زامبيا وبوروندي.
أربعة اعترافات كبرى في أقل من 72 ساعة – مصر وهولندا وكينيا ومالي – يُضاف إليها باراغواي وزامبيا وبوروندي.
ليس ذلك وليد الصدفة ولا مجرد ظرف ملائم. إنه ثمرة عمل متواصل، أُنجز على المدى البعيد، في ساحات جغرافية متعددة في آنٍ واحد.
الحياد الفاعل استراتيجيةً راسخة
ما يميّز الدبلوماسية المغربية في السياق الدولي الراهن هو قدرتها على الملاحة دون أن تنحصر في خانة محددة.
في وقتٍ يتشظّى فيه العالم إلى كتل – صينية-روسية من جهة، وغربية من جهة أخرى – ترفض الرباط الخضوع الأيديولوجي.
يتعامل المغرب مع واشنطن كما يتعامل مع بكين، ومع باريس كما يتعامل مع الرياض أو موسكو، طالما أن التبادل يخدم مصالحه الوطنية.
يستحضر لنا هذا الموقف نهج أنقرة في عهد أردوغان: قوة متوسطة تعظّم نفوذها بالمرونة والحضور الدبلوماسي الشامل، في غياب هيمنة عسكرية أو اقتصادية مطلقة.
ليس هذا انتهازيةً؛ بل هو قراءة واضحة لموازين القوى في عالم متعدد الأقطاب.
بالنسبة للدول التي لا تمتلك القوة الخام للأمم الكبرى، كثيرًا ما يكون التعدد البراغماتي في التحالفات أجدى السياسات وأنجعها.
وخلافًا لبعض الجيران الذين سمحوا لأراضيهم أن تصبح مسرحًا للتنافسات الأجنبية أو ممرًّا لتدفقات مزعزِعة للاستقرار، جعل المغرب من الاستقرار ميزةً تنافسية.
فصون الوحدة الترابية ليست غايةً في حد ذاتها، بل هي الأساس الذي تُشيَّد عليه الشراكات الاقتصادية والممرات اللوجستية ومشاريع البنية التحتية القارية.
ثمن الضياء الكاذب
الدول التي آثرت الاستعراض على الاستراتيجية تدفع اليوم ثمنًا باهظًا.
بعضها يجد نفسه معزولًا على الساحة الدولية، وخطابه السيادوي عاجزٌ عن مواجهة الضرورات الاقتصادية التي تُكبّله.
وبعضها باع استقلاليته بتحالفات زائفة، عاجزًا عن تحويل ضجيجه الدبلوماسي إلى نتائج قابلة للقياس.
وبعضها الآخر سمح لفاعلين خارجيين – جماعات مسلحة وقوى انتهازية – بملء الفراغ الذي أفرزه تناقضه الداخلي.
الدرس قاسٍ لكنه لا لُـبس فيه: في العلاقات الدولية، لا أحد يُكافأ على نواياه.
لا يُعتدّ إلا بموازين القوى المبنية، والتحالفات المنسوجة في الزمن الطويل، والمصداقية المكتسبة بانسجام الأفعال.
دولةٌ تُعلن عظمتها دون أن تضع أسسها لا تخدع أحدًا – لا شركاءها، ولا مواطنيها في نهاية المطاف.
الدول التي تخلط بين الظهور والقوة لا تُضعف نفسها على الساحة الدولية وحسب – بل تحرم نفسها من الشيء الوحيد الذي يمكن للدبلوماسية أن تقدّمه حقًّا:
القدرة على تحديد مصيرها بنفسها.