وزير التربية والتعليم المغربي يناصر “منار” التربية الإسلامية ضد الفلسفة

العلوي رشيد | الدار البيضاء 

خرج من جديد يوم أمس 6 فبراير 2017 وزير التربية والتعليم رشيد بلمختار في حواره مع يوسف أقديم لمجلة “عالم إفريقيا”، للحديث عن هجوم مقرر التربية الإسلامية على الفلسفة، معتبرا انه “من العبث افتعال نزاع مصطنع بين أساتذة الفلسفة والتربية الإسلامية”،

بعد أن كان أمله مختصرا (في بيان 19 دجنبر) لوقف السجال الدائر حول المشكلة. وللحقيقة نقول أن حوار السيد الوزير لا يحمل أي شيء جديد بخصوص مطالب جمعية مدرسي الفلسفة التي رسمتها في البيان الأول حول الموضوع. بل وقد تهرب الى الأمام، فبدل أن يتخذ مسافة حيادية من المشكلة صار يناصر مقرره الذي سفَّه الفلسفة والعقل، وتشبثت بمضمونه الذي يحرض على المتعلمين على التبخيس من قيمة الفلسفة والعلوم الإنسانية عامة.

وللتذكير فقط، فإنه بعد البلاغ الملكي الذي صدر في العيون يوم 6 فبراير 2016 وأقر فيه الملك على ضرورة مراجعة مقررات تدريس مادة التربية الاسلامية، عملت لجان التأليف في وزارة التربية الوطنية على تنقيح وإعداد مقررات دراسية تستجيب لما تضمنته مناهج هذه المادة، وعممت تلك المقررات بعد ان أشرت عليها الوزارة، وقد أثار انتباه أساتذة الفلسفة وبعض أساتذة التربية الاسلامية وجود درس يتناول مسألة العلاقة بين الإيمان والفلسفة ولكن بشكل لا ينصف الفلسفة كمادة دراسية معممة على مختلف مسالك وشعب التعليم الثانوي التأهيلي منذ ما يقارب العقد (خاصة كتاب منار التربية الاسلامية الخاص بالسنة الاولى بكالوريا والجذع المشترك)، بحيث تضمن المقرر المذكور نصوصا دينية لفقهاء وعلماء الدين الذين اشتهروا تاريخيا بعدائهم للفلسفة وللعقل، والبعض منها يعتبر الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، لأن من تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان… وغيره من الأوصاف والنعوتات التي تتعارض كليا مع ما أقرته التوجيهات التربوية ومنهاج تدريس مادة التربية الاسلامية.

وقد أصدرت الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بيانا للرأي العام يوم 10 دجنبر 2016 يندد فيه بما تضمنه كتاب منار التربية الاسلامية من إساءة للفلسفة وللفكر العقلاني، وهو ما يمس أيضا مختلف العلوم الانسانية والاجتماعية مما ينم عن طبيعة العقل الفقهي المتزمت الذي عبر عنه الكتاب المدرسي والذي يروم تسفيه مكانة العقل البشري ومرتبته وحقه في استجلاء الحقائق بمنهج علمي واضح. وللتذكير فبرنامج مادة الفلسفة الخاص بالجذع المشترك في التعليم الثانوي التأهيلي يتضمن في محور محطات من تاريخ الفلسفة، موضوع العلاقة بين الفلسفة والدين، ولكنه يحترم البعد التربوي والبيداغوجي في توجهه للمتعلم، ويحترم الاختلاف والتعدد وحرية الرأي، لهذا وظف المؤلفون نصوصا حكيمة لفلاسفة مسلمين من قبيل ابن رشد الذي ينبه المتعلم على أن الشرع يحث على إعمال العقل من خلال تأويله لأية “فاعتبروا يا أولي الألباب”، وهو ما لا يتناقض مع ما نصت عليه الفلسفة من ضرورة تأمل الموجودات للوصول الى غاية معرفة الصانع، هكذا فإن الفلسفة والشريعة معا يحثان البشر على ضرورة اعمال العقل لبناء الحقيقة ف” الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”، وهو ما يدل على حنكة أهل الفلسفة في اختيار النصوص الملائمة تربويا وبيداغوجيا لمستوى المتعلم، مع مراعاة مجموع الكفايات والقدرات والمهارات المتوخاة من تناول علاقة الشرع بالفلسفة، بشكل يسمح للتلميذ بممارسة حريته في التفكير الحر، عكس ما جاء في منار التربية الاسلامية الذي يضع المتعلم ضمن خندق معاداة الفلسفة والتبخيس من قيمتها، حيث نقرأ في ص 80 من كتاب منار التربية الاسلامية الخاصة بالسنة الأولى بكالوريا مجموعة من الأهداف التربوية التي يتعين على المتعلم الوصول إليها من خلال تصفحه لمجموع النصوص والفتاوي الواردة في باب الايمان والفلسفة:

–    أتعرف أبعاد قضية الايمان والفلسفة.

–    أدرك أوجه التعارض والاختلاف بين الايمان والفلسفة

–   أستخدم نعمة العقل لترسيخ ايماني واقناعي بصدق رسالة الاسلام ونبوة محمد.

ولا يخفى أن واضعي هذه المبادئ الثلاثة يرومون تبليغ المتعلم أن الفلسفة تقع على نقيض واختلاف مع الايمان، في الوقت نجد تناقضا صارخا بين المبدأ الأول والثاني، لأن التعرف على أبعاد القضية يستوجب تناولها من كلا وجهات النظر، في حين يحثه المبدا الثاني على الاقرار بالتعارض: فهل التعرف على الابعاد يؤدي دوما الى ادراك الاختلاف والتعارض كما جاء في الثاني؟ إذا كان كذلك الأمر لماذا سنطرح المبدأ الأول الذي سيلغيه الثاني.

تتحمل الدولة ووزارة التربية الوطنية كامل مسؤوليتها فيما يمكن أن ينتج عن هذا الامر من تطورات، لأن البيان التوضيحي الذي أصدرته الوزارة في الموضوع بتاريخ 19 دجنبر 2016 لا يفي بالغرض، لأن مطلب الجمعية واضح وجلي ولا غبار عليه: التراجع الفوري عن هاته الكتب وسحبها… مع العلم أن الوزارة تعترف رسميا في بيانها بوجود تناقض صريح وواضح بين ما جاء في منار التربية الاسلامية وما أقرته التوجيهات التربوية الخاصة بتدريس المادة، وحتى مبررها نعتبره واهيا: لأن التمييز بين المنهاج والكتاب المدرسي، أمر يعرفه مدرسو جميع المواد والقول أن المنهاج هو الملزم لا يكفي والحالة هذه. كما أن البيان التوضيحي للوزارة جاء للتملص من مسؤوليتها في اعتماد الكتب المذكورة، مع العلم أنها هي التي تؤشر على الكتب المدرسية قبل اعتمادها وتعميمها.

مع كامل الأسف أن هناك من يحمل التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني مسؤولية ما وقع لأن اقرار التعديلات جاء كقرار سياسي مستعجل وغير محسوب، ينضاف اليه ضيق الوقت. أما المسؤول عن التطرف والتشدد فهي جماعات دعوية وايديولوجية معروفة في المغرب، ويتوجب الحذر من سمومها وأضاليلها اتجاه الناشئة. ولكن هذا لا يعني أن منظمات المجتمع المدني وهيئاته الديمقراطية والحداثية يجب أن تسكت عن الأمر بل العكس عليها خوض الصراع السياسي والايديولوجي مع دعاة التطرف والتشدد، والعودة الى مصادر التنشئة الاجتماعية ومنظمات العمل الجماهيري والثقافي والحركات الاجتماعية لنشر ثقافة متنورة وتقدمية بدل ترك الشباب يستسلمون للتيار الجارف.

تكمن المشكلة السياسية الكبرى للمغرب في تفادى اقرار النظام للفصل بين الدولة والدين، وحتى في اللحظة التاريخية حيث وقع نقاش مستفيض حول تعديل الدستور سنة 2011 تملصت الدولة من المطالب الحيوية للمجتمع وقواه الديمقراطية والحداثية، لأن العديد من المشكلات تنتج عن غياب الديمقراطية، وهو ما يبين أننا نحصد اليوم ثمار هروب الدولة من الديمقراطية الحقيقية ومن الفصل الحقيقي بين السلط.

أما تحوير الصراع الى صراع سياسي وأيديولوجي من خلال قوله “ان المدرسة ليست ساحة للمعركة الايديولوجية ولا يجب أن تبقى رهينة لذلك”، فهو أمر يخص الدولة عامة، لأن المدرسة لم يحولها الاساتذة الى حلبة صراع ايديولوجي أو سياسي، بل إن النظام السياسي هو الذي سمح بتوظيف المدرسة لشرعنة ايديولوجيته ونظام حكمه السياسي، عبر أدوات ووسائل يعرفها المغاربة عبر عقود من الزمن. ولو أن مدرسي بعض المواد (وهذا أمر يعرف الوزير ووزارته جيدا) بمن فيهم مدرسي العلوم الحقة فقد وظفوا ايديولوجيتهم وسياستهم وجعلوا دروسهم في خدمة اغراضهم: فهل يعقل أن تتحول حصة الرياضيات الى حصة لتحفيظ القرآن؟ وهل يعقل أن يوزع المدرسين المتعلمين الى صفوف إناث وصفوف ذكور في مدارس مختلطة مع العلم أنه توجد مدارس غير مختلطة؟ بأي حق يفرض المدرس على الإناث ارتداء الحجاب في حصته؟ وبأي حق يفرض المدرس على بعض المتعلمين الالتحاق بحلقاته الحزبية او الجماعاتية؟ كل هذه الأمور وغيرها يعرفها السيد الوزير حق المعرفة وتعرفها الوزارة عن كثب.

في حواره أكد الوزير أن اصلاح مواد التربية الاسلامية “عمل جبار لن اسمح بايقافه”، وهو ما نعتبره هروبا إلى الأمام، ففي الوقت الذي يطالب فيه مدرسو الفلسفة بوقف المقرر المسيء للفلسفة، تشبث هو بالعمل به وكأنه متفق تماما مع ما جاء فيه، بل قد تحيز (هو المشهود له بنزعته التقنوية) الى جانب فكر وتوجه ايديولوجي ينشر الاقصاء والتعصب. كنا ننتظر من السيد الوزير الاستجابة لمطلب محدد يتمثل في سحب هذا المقرر لأنه يتعارض كليا مع ما جاء في التوجيهات التربوية الخاصة بمادة التربية الاسلامية، ومع ما جاء في دفتر التحملات.

نتساءل ماذا لو تضمن مقرر الفلسفة نصا فلسفيا يتضمن عبارة “لقد مات الله”، أو نصا يسيء للدين أو قل تحديدا للاسلام الذي هو دين الدولة؟ ماذا سيكون رد فعل السيد الوزير، ومعه رد فعل المتأسلمينوالاسلامويين؟يعي السيد الوزير جيدا ان المعركة تحولت بفضل التعاطف والتأييد الدولي الذي حشدته جمعية مدرسي الفلسفة لقضيتها ومطلبها العادل، إلى مطلب لم يكن في الحسبان: ضرورة اعادة مراجعة مقررات الفلسفة بما يتماشى مع مقتضيات الفكر النقدي. فهل يعلم أن المشكل ليس مع مدرسي مادة التربية الاسلامية بل مع وزارته التي لم تستجب للمطلب؟ لسنا بحاجة إلى نصيحته فيما يخص العلاقة بين مدرسي المادتين لأننا على وعي تام بمسؤوليتنا التربوية والتاريخية، لهذا فإننا نطالب ليس وفقط بمراجعة كتاب منار التربية الاسلامية أو حذفه وإنما أيضا باصلاح درس الفلسفة واصلاح المدرسة العمومية بما يتماشى مع شعار: نريد مدرسة عمومية مجانية وجيدة للجميع، ولعل النقاش حول خوصصة التعليم العمومي دليل على ما آلت إليه أوضاعنا التعليمية.


أيوقونة بريس جريدة إلكترونية