واقع المدرسة المغربية اليوم “المعيقات و الإكراهات”

©أيقونة بريس: بقلم : ذ عبد الكريم الهواري//

تتخبط المدرسة المغربية منذ سنوات في مشاكل لا حصر لها بل هي ظلمات متراكبة بعضها فوق بعض لم تنفع معها جملة من المخططات الإصلاحية خذ على السبيل الذكر ميثاق التربية والتكوين ,المخطط الاستعجالي, بيداغوجية الإدماج-(ونحن نتابع كيف تم التراجع عن هذه الأخيرة والاستغناء عن صاحبها كزفييي روجرس)-                                       

وبرغم من كل ذلك فواقع المنظومة التعليمية لم يراوح مكانه إن لم يكن يزداد تعقيدا , فبعد أن كانت المدرسة المغربية تخرج النخب السياسية و الأطر الإدارية والمثقفين ونجحت في سدّ الخصاص المُهول الذي عقب الاستقلال أو ما يعرف بمغربة الأطر, وبعد أن كان يعتبر المُدرّس رمزا وقدوة ومحركا للإصلاح أصبحت المدرسة المغربية تخرج البطالة والعطالة بل هناك من يعتبرها تنتج الأمّية النظامية, وأصبح الأستاذ اليوم شغله الشاغل تحصيل شظف العيش من خلال حق الإضراب أو من خلال الساعات الإضافية…ونزل به من منزلة التوقير إلى التحقير وفقدت هذه المدرسة ثقة الداني قبل القاصي إذ أصبح رجل التعليم أول من ينئى بأبنائه عن المدرسة العمومية ويلجأ إلى التعليم الخصوصي بعدما اعتبر التعليم قطاعا غير منتج وطبقت عليه مخططات التقويم الهيكلي في سنوات خلت.
فماهي الأسباب التي دفعت بالمنظومة التعليمية المغربية إلى هذا الحال ؟
تتشابك الأسباب و تتظافر الإكراهات لترسم لواقع المدرسة المغربية صورة قاتمة يمكن إجمال أسبابها فيما يلي:
1)-ضعف العناية بالموارد البشرية :
إن من أهم الاختلالات الجوهرية التي تضرب بعمق في كل إصلاح مرتقب هو ضعف العناية بالموارد البشرية برغم من أن العالم بأسره يراهن على التنمية البشرية, كيف ذلك؟ من خلال ضمان جودة التكوين الأساسي والتشجيع والتحفيز على التكوين المستمر بدل التضييق على من يرغب في مواصلة التحصيل العلمي بل الأدهى والأمر هو الزج بحاملي الشواهد العليا في غمار الأقسام دون تكوينهم تكوينا بيداغوجيا وديدكتيكيا يؤهلهم للاضطلاع بأداء رسالة التدريس مع ثقة الكاملة في قدراتهم العلمية, وكذلك معالجة المشاكل الاجتماعية والمادية للنساء ورجال التعليم وخاصة المشاكل الفئوية من قبيل نزلاء الزنزانة تسعة وأساتذة سد الخصاص وحالات الالتحاق بالزوج والزوجة فكيف ينتظر من هذا الأستاذ(ة) أن ينتج بل أن يبدع وهو يعيش حالة من التشتت العائلى كما يقول المغاربة:”نص هنا ونص لهيه” وكذلك مشكل غياب الأمن خاصة بالنسبة للنساء التعليم من الخريجات الجدد اللواتي يرمى بهن إلى المناطق النائية مع الغياب التام للأمن الذي يعتبر من مقاصد الشريعة……….. إذا تم تجاوز بعض هذه المشاكل فسيتم بالتأكيد الحفاظ على الزمن المدرسي الذي ينادى به اليوم.
2)-إشكالية الكم والكيف بالمغرب :
نعم يعيش المغرب في تحدي يومي محموم من اجل القضاء على الأمية التي تعشش في عقول بعض المغاربة والتي تحد من إنتاجيتهم ..وكذلك محاربة الفشل و الهدر المدرسيين, كل ذلك من أجل الحد من هذه المشاكل التي تعيق تقدم المغرب من جهة ومن جهة أخرى تحقيق التقدم في مؤشرات التنمية من اجل تبوء مراتب مشرفة بجوار مصافي الدول المتقدمة لكن بأي وسيلة وبأي تكلفة ونحن نعاني من مشكل الاكتظاظ الذي يؤدي في بعض المناطق إلى الأقسام المشتركة -وهنا يطرح رهان الجودة -وكذلك مشكل الخريطة المدرسية, عتبة النجاح و الغش مما يؤدي إلى ضعف ثم الفشل ثم الهدر المدرسي.
3)- العنف المدرسي بين الأستاذ والتلميذ والإدارة التربوية :
حالات من العنف والعنف المضاد تعيش على وقعها بعض المدارس المغربية من بين الحالات: اتهام أستاذ بممارسة العادة السرية داخل القسم ؟؟, الاعتداء الشنيع على تلميذ صغير من طرف أستاذته , اتهام مدير أحد المؤسسة التعليمية بالتحرش بالتلميذة في مكتبه, حالة الأستاذة التي فقئت عينها , حالة من بين أخرى يمكن ذكرها على سبيل الاستئناس نهيك عن الحالة التي تعرفها الثانويات كل سنة عند اجتياز اختبارات الباكلوريا من عنف رمزي ولفظي وجسدي خليط هجين من العنف لم يعرف طريقه إلى المدرسة المغربية إلا في السنوات الأخيرة بهذا الشكل وهذه الحدة؟.
4)-غياب مفهوم الحكامة “منطق المسؤولية والمحاسبة “:
لا يمكن الحديث عن نجاح أي قطاع كان إذا لم يتصف بالشفافية والمحاسبة ولاعن أي إصلاح دون الحديث عن تكلفة الإصلاحات السابقة وماذا حققت هذه الإصلاحات من مكتسبات ومنجزات؟
إن الاعتمادات الهائلة التي ترصد لقطاع التعليم هي من أموال دافعي الضرائب لذلك يجب الوقوف على كل سنتيم تم إنفاقه أو سيتم إنفاقه وذلك :بأن يذهب إلى مكانه الصحيح, من خلال تقويم المخططات وتتبع إنجازها ونتائجها وصرف مخصصاتها بناء على فاعلية و إنتاجيتها.
5)-غياب رؤية إصلاحية واضحة:
إن غياب رؤية إصلاحية منبثقة عن تشخيص ذاتي, حقيقية للحاجات و الإكراهات, مندمجة و تشاركية, أدّت إلى التخبط واستيراد حلول وضعت في بيئة أخرى وواقع آخر بإمكاناته وإكراهاته على مقاس أصحابه وتم إسقاطها أو استنباتها في بيئة مختلفة تماما مما أدّى إلى فشلها برغم من كل الإمكانات المادية والبشرية التي رصدت لها,عندما أتحدث عن رؤية أو تصور ذاتي يتسم بروح الوطنية والغيرة عن الأولوية الأولى للوطن بعد قضية الصحراء وعن تشخيص حقيقي تشاركي ينبع من القاعدة ويسهم فيه كل الفاعلين التربويين من :مراكز التكوين وكليات علوم التربية والفرقاء الاجتماعيين يلامس كل المشاكل والإكراهات ويستجيب للحاجيات والانتظارات ,عندما أتحدث عن رؤية مندمجة أتحدث عن حلول بنيوية وجذرية وعن تصورات نسقية تعالج كل الاختلالات التي تتقاطع فيما بينها بشكل متوازي وتضع نصب عينيها كل العوائق والصعوبات فأن استحضر بمرارة فشل التجارب السابقة وأتمنى أن لا تكرر نفس الأخطاء لان الأخطاء في هذا الميدان وعلى هذا المستوى تعني ضياع أجيال والتخلف بالسنوات عن الدول الصديقة والشقيقة.
إذا تم التركيز على إصلاح هذه الاختلالات بجدية ومسؤولية فستكون المدرسة المغربية بألف خير أو على الأقل لن تكون صورتها بهذه القتامة.

أيقونة بريس - iconepress
جريدة إلكترونية إعلامية