هكذا يدخل قضاتنا التاريخ من أبوابه الواسعة

ايقونة بريس- محمد المسير 

الروائي عزيز بن حدوش، لم يكن يدري وهو يكتب رواية” جزيرة الذكور” أن القضاء المغربي اصبح بمقدوره تأويل النص الروائي في سياقه الأدبي والمجازي، كما هو الحال في قدرته على تأويل جميع الفنون الإنسانية. فبفضل يقظت القضاء المغربي، استطاعت المحكمة الابتدائية بورزازات أن تقضي بسجن “بنحدوش” شهرين مع وقف التنفيذ، وغرامة قدرها ألف درهم، وتعويض مدني قدره 20 ألف درهم للمشتكين، بسبب روايته “جزيرة الذكور”، حيت اتهامه أحد أعيان المنطقة التي ينتمي إليها بأن إحدى شخصيات الرواية تحيل عليه.

هكذا يدخل قضاتنا التاريخ من أبوابه الواسعة والمرسومة بعناية، بفضل جرأتهم على إدانة الفكر والإبداع وحرية التعبير، بفضل قدرتهم على التميز بين الخيال والواقع، دون أن يعلم ساداتنا القضاة أن حياة انسان فيها من البلاغة ما يكفي لحياة البشرية، وأن صوت إنسان مهما بدا مختلفا تجد فيه مزايا التعدد التي تمنح الحياة بعدا معرفيا.

علما أن السرد الأدبي تتداخل فيه الأحداث والشخوص والأمكنة من خلال أعمال إبداعية تخييليه، وبالتالي فإن ادعاء تشابه الوقائع وإسقاطها على الأشخاص في الواقع، واستدعاء الأمر لمتابعة قضائية وإصدار أحكام جزافية، يشكل تراجعا خطيرا في مجال الحريات وحقوق الإنسان بالبلاد”. كما أن هذه النظرة الضيقة للأدب والإبداع تعزز من الظلامية الفكرية، بسيوف الرقابة، ولا تساهم في تعزيز بناء مشهد ثقافي حضاري قائم على التعددية التي هي المحور الأساسي لتقدم الأمم وبناء حضارتها.

إن دور المثقف الفرد والمثقف المؤسسة يحتاج إلى مناخ حيوي من الحرية، للاستمرار في مسيرة التنوير الفكري القائم على احترام التعددية وحرية الإبداع، خاصة وأن الرواية المغربية كانت متأخرة زمنيا عن الرواية في المشرق العربي، غير أنه وفي كل مرة تحاول فيه أن تجد لها موطئ قدم في الساحة الأدبية العربية، بتقديمها لبيئة محلية خاصة اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا، تجد شرطة الأفكار تمارس الرقبة والحضر وتصدر الاحكام لكن، أيمكن أن تملى على الكاتب قيم أخلاقية من خارج الفعل الإبداعي نفسه؟ وهل هناك جهة مخولة للفصل بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول؟ هل المحاكم هي الساحة المناسبة للفصل في مثل هذه الأمور؟


أيوقونة بريس جريدة إلكترونية