كرة القدم من السياسة إلى المشهد في وهم القوة الناعمة

® ايقونة بريس - خالد راكز 

لم يعد نجاح كرة القدم في السياقات الوطنية الحديثة مجرد حدث رياضي بل تحول إلى لحظة سياسية مكثفة تستثمر فيها الرمزية الوطنية وتعاد عبرها صياغة صورة الدولة وهيبتها في الداخل والخارج وفي سياق سباق المغرب نحو تثبيت موقعه في الفضاء الدولي جرى تقديم الانجاز الرياضي بوصفه دليلا على النجاعة المؤسساتية ومؤشرا على قوة الدولة وقدراتها التنظيمية ورافعة من روافع القوة الناعمة غير ان هذا التمثل الاحتفالي يطرح سؤالا مركزيا هل يعكس الحدث الرياضي بالفعل رسوخ البنية المؤسساتية ام انه يشتغل كتعويض رمزي عن اختلالات عميقة في الزمن الاجتماعي والسياسي؟

1 – من التنظيم إلى المشهد: الدولة في اقتصاد الفرجة غي دوبور

وفق تحليل “غي دوبور” تقوم المجتمعات الحديثة على تحويل الواقع إلى مشهد حيث تستبدل العلاقات الاجتماعية الحية بصور وتمثلات تستهلك جماهيريا في هذا الإطار يصبح نجاح كرة القدم جزءا من اقتصاد الفرجة السياسية تستثمر فيه اللحظة الرياضية لتكثيف الشعور بالهيبة والسياسة بينما تهمش الأسئلة المتعلقة بالإصلاح المؤسساتي وتعقيداته
ان الدولة حين تختزل نفسها في لحظة انتصار تتحول من فاعل تاريخي الى منتج للحدث ومن مشروع طويل الامد الى صورة سريعة التداول وهنا لايعود التنظيم المؤسسي هو معيار القوة بل قابلية الانجاز للتحويل الى عرض جماهيري

2 – المحاكاة ونهاية المرجع: “بودريار” وواقع القوة الناعمة 

مع “بودريار” يغدو النجاح الرياضي محاكاة لسيادة لا انعكاسا لها فالانجاز لايحيل الى واقع مؤسساتي محدد بل ينتج واقعا زائفا ليست كرة القدم في حد ذاتها hyper réel  بل وقعا مفترضا ووهمي تمحى الحدود بين الرمز والمرجع تتحول الدولة إلى علامة مكتفية بذاتها وتصبح الهيبة اثرا الصورة لا البنية.
في هذا السياق لاتسبق الدولة غيرها بقدر ما تحاكي السبق وتستبدل الزمن الاجتماعي الطويل بزمن اعلامي كثيف حين تقاس الفاعلية بسرعة الانتشار لابعمق الاثر

3 – السرديات الصغرى بدل المشروع: ليوتار وازمة الشرعية

يرى “ليوتار” ان زمن السرديات الكبرى قد انهار ولم تعد الدولة قادرة على تأسيس شرعيتها على وعود التقدم والعدالة والتنمية الشاملة لذلك تلجا الى سر ديات صغرى ظرفية من بينها النجاح الرياضي وتنظيم التظاهرات الدولية

4 – القبيلة الحديثة العاطفة الجماعية: ميشيل مافيزولي 

يكشف ميشيل مافيزولي ان كرة القدم تعيد انتاج القبيلة الحديثة حيث تنصهر الفردانيات
في نشوة وجدانية جماعية غير ان هذا التماسك يظل عاطفيا احتفاليا لايترجم الى تماسك مدني مؤسساتي انه اجتماع حول الرمز والصورة لاحول العقد الاجتماعي أو المشروع السياسي

5 – سباق المغرب: بين تسريع الصورة وبطء البنية 

في سياق سباق المغرب يتجلى الرهان في اللحاق بالمشهد العالمي تنظيم صورة اعتراف دولي انجاز رياضي غير ان هذا السباق بقي في الزمن الاعلامي لاداخل الزمن التاريخي، فالدولة تسرع في انتاج هيبة رمزية فيما تظل البنيات الاجتماعية رهينة بطء الاصلاح وتعقيداته ويصبح السباق سباق انطباعات لاسباق تراكم مؤسساتي
تفكيك الوهم الاحتفالي وحدود الدولة ما تكشفه المقاربة الاحتفالية لكرة القدم ليس قوة الدولة بقدر ما تكشف هشاشتها الرمزية فحين تختزل الهيبة في حدث وتقاس النجاعة بصورة تتحول الدولة من مشروع تاريخي الى تتابع مشاهد ويطلب من الرمز ان يؤدي وظيفة في السياسة ومن الاحتفال ان يعوض الزمن الطويل للاصلاح.

ان الدولة التي تحتاج الى حدث داىم لتاكيد وجودها الرمزي هي دولة تعلن دون وعي عجزها عن إنتاج شرعية صامتة شرعية تبنى في المدرسة والمستشفى والقضاء والإدارة لاعلى منصة التتويج
هكذا لايعكس سباق المغرب تسارعا في البناء بقدر ما يعكس تسارعا في الهروب من سؤال البنية.

ليست كرة القدم في حد ذاتها موضع مساءلة ولا النجاح الرياضي مدعاة النفي والتقليل غير ان تحويل الانجازا الى دليل على النجاعة الشاملة الى بديل عن السياسة يكشف مازق الدولة في زمن الصورة
ان هيبة الدولة لاتقاس بقدرتها على انتاج لحظة اجماع بل بقدرتها على تحويل الحدث الى سياسة والرمز إلى مؤسسة والاحتفال الى تراكم تاريخي قابل المساءلة السؤال ليس هل نجح المنتخب؟ بل هل تستطيع الدولة أن تنجح خارج المشهد في الزمن البطيء الذي لايحتفل به

رئيس التحرير - كاتب رأي | Web

رئيس التحرير - كاتب رأي

صحفي مهني وناشط حقوقي، متخصص في القضايا السياسية والاجتماعية. حاصل على شهادة في الحقوق ودبلوم في القانون الخاص. ساهم في عدة منصات إعلامية وشارك في ندوات دولية مع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان. التفاصيل في الشفحة الشخصية :

⌈ https://bit.ly/3UntScc ⌉