حسن البنا

سلسلة صحفية: روْاد وعمالقة مُسلمون – الحلقة الحادية عشر-الإمام حسن البنا

مقدمة عامة للحلقات

“…حفل التاريخ الإسلامي بأسمائهم بعد أن ارتقوْا قمْم العلوم وتوجهوا بها لخدمة الإسلام والمسلمين، آثروا حياة الثورة والنضال على حياة الترف والبذخ والرخاء …،حملوا فكرهم وعلمهم سلاحاً للدفاع عن القضايا الوطنية للأمة، فكتبوا وأبدعوا فكراً وديناً وشعراً وابتعدوا عن خانة الغاوُون فلا هم في كل واد يهيمون ولا يقولون مال يفعلون، عاشوا احراراً مرفوعي الرأس دون أن تسمح اقلامهم أن تكتب نفاقا وتزلفا لحاكم أو سلطان، ودون أن يرفع سيفهم إلا نصرة للحق والمُستضعفين أحسنوا في تفسير الحرّية الغربية وقابلوها استئناساً بالليبرالية الشائعة في الغرب والدائرة على كل لسان حينما رأوا فيها العدل والإنصاف…،اوضحوا أن السير في طريق التنمية والتطور واكتساب المعرفة يقتضي بالضرورة وجود دعامات الحرّية والعدل والمساواة التي تجد دعاماتها من الشريعة الإسلامية حيث المنهج والدستور الكامل والشامل، حيث مصطفى كامل وأنور الجندي والشيخ علي الغاياتي والخطابي والمراغي والنديم وياسين وعلال الفاسي والبنا وإبن تاشفين وأبو الحسن الندوي وغيرهم من رجالات الفكر العربي والاسلامي، إنهم عمالقة الفكر والتنوير ورواد الأصالة الإسلامية، ،…إنهم روْاد وعمالقة مسلمون “.

الإمام حسن البنا…رائد النهضة الإسلامية زعيم الإخوان المُسلمين الذي أخذ يدعو للمعاني الاصلاحية والاسلام الكامل والشامل لبناء المجتمع الإسلامي 

حسن البنا

حسن البنا

من جمعية الأخلاق الحميدة إلى جمعية منع المُحرمات التي كان الهدف منهما منع ارتكاب الآثام ومحاسبة القائمين بها والتشجيع على أداء العبادات اليومية، بدأ حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي (حسن البنا الذي ولد بالمحمودية إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر في الرابع عشر من أكتوبر من العام 1906) مشواره القيادي والثوري لتشكيل وزعامة جماعة الإخوان المسلمين التي أخذ بتشكيلها مع شلة من رفاقه (حافظ عبد الحميد، أحمد الحصري، فؤاد ابراهيم،عبد الرحمن حسب الله، اسماعيل عز، زكي المغربي) بمدينة الإسماعيلية في بدايات العام 1928 والتي سعى من خلالها بالدعوة إلى تجميع المعاني الإصلاحية والعودة الى الإسلام الكامل والشامل واتخاذه المنهج الأساسي للحياة من خلال التربية والتدرج وتكوين الفرد المسلم والأسرة المسلمة التي ستكوّن اللبنات الأولى والأساسية ونقطة الإرتكاز الأولى لتكوين المجتمع الإسلامي ثم الحكومة الإسلامية،فالدولة، فالخلافة الإسلامية والوصول أخيراً إلى استاذية العالم الإسلامي.

الحق …الباطل

هكذا بدأ حسن البنا مشواره في إحقاق الحق وزجر الباطل في المجتمع المصري قبل الوصول إلى الجماعة الإسلامية، سواء من خلال مروره بعدد من الجمعيات الخيريرة التي حاول من خلالها استقطاب التابعين والمُناصرين له سواء عبر الحصافية الخيرية التي زاولت عملها في حقلين مهمين هما : نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومقاومة المُنكرات والمُحرمات المُنتشرة من جهة،ومقاومة الإرساليات التبشيرية التي اتخذت من مصر مَوطناً لها للتبشير بالمَسيحية في ظلّ مَسالك التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الطلبة ومساعدة المُحتاجين، أو من خلال مدرسة دار العلوم العليا التي تلقى بها تعاليم مكارم الأخلاق الإسلامية وواظب على محاضراتها في المساجد ودور الدعوة والجهاد وحصل منها على دبلوم دار العلوم العليا عام 1927 حتى عيّن مُعيدا بها قبل أن ينتقل للتدريس بمدرسة الإسماعيلية الإبتدائية الخيرية.

دعوات بالتحرّر…إحياء النهضة

ما أن فصح لسانه حتى انطلق الإمام حسن البنا بآرءاه السديدة ونظراته الثاقبة يبحث في قضايا النهضة الاسلامية داعياً إلى ربطها بقضية التحرّر ومن الاستعمار والتبعية والتقدم العلمي الذي يجب أن يحققه المسلمين من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة التي ليست سوى دستورا عاما للامة،وفي هذا يقول في مذكراته (الدعوة والداعية) “…لن يصلح لنا حال ولن تنفذ لنا خطة اصلاح في الداخل ما لم نتحرّر من قيد التدخل الأجنبي، فلا نهضة للأمة بغير العلم وما ساد الكفار إلا بالعلم، لا نهضة للأمة إلا بالعودة إلى مسارها الاسلامي الحقيقي ألا وهو الكتاب والسنة الشريفة التي تحمل عاداتنا وتقاليدنا ومعالم واشراقات نهضتنا المُقبلة،أليس من التناقض العجيب أن نرفع عقائرنا(اصواتنا) للمُطالبة بالخلاص من اوروبا ونحتج أشد الاحتجاج على اعمالها، أليس من الواجب أن نقدّس تقاليدنا ونتعوّد عاداتنا ونعود إلى رشدنا وتراثنا الإسلامي الأصيل، لا بد لنا من اقامة نظام حكم اسلامي أساسه الشورى والحرّية والمساواة والعدالة، لا بد لنا أن نعود إلى الإسلام كي نتحرّر من عوالم الغرب ونحمي مُقدساتنا التي بدأت تغتصب الآن في فلسطين…”.

حين تكون فلسطين..نكون

ما أن بدأ حسن البنا بقيادة الإخوان المسلمين (تكونت عام 1928) على مدى عقدين من الزمان (1928-1949) حتى أخذ يخوض من خلالها العديد من المعارك السياسية مع الأحزاب المَصرية آنذاك كحزب الوفد والحزب السَعدي قبل أن يوجّه نشاط هذه الجماعة إلى ميدان القضايا الوطنية (المصرية التي احتدمت بعد الحرب العالمية الثانية من خلال نداءاته المُتكرّرة لخروج مصر من الكتلة الاسترلينية للضغط على بريطانيا حتى تستجيب للمطالب الوطنية الرامية إلى الاستقلال) والقضايا الدولية التي شكلت فلسطين أولى اهتماماتها باعتبارها قضية العالم الإسلامي باسره، مُؤكداً في هذا الإطار بأن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة القوة والثورة والمُقاومة ولغة الدم، داحضاً بذلك قرار الأمم المُتحدة القاضي بتقسيم فلسطين عام 1947 مُوجهاً نداءاته للأمة العربية والإسلامية (بشكل عام) والإخوان المسلمين (بشكل خاص) للتوجه فورا للجهاد في أرض الجهاد بغية الإحتفاظ بها عربية اسلامية قائلا “…. إن الإخوان المُسلمين سيبذلون ارواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين اسلاميا عربيا حتى يرث الله الأرض ومن عليها …”، ليتخذ بعدئذ القرار التاريخي رقم 35 في السادس من مايو عام 1948 والذي فتح من خلاله باب الجهاد المُقدس ضد اليهودية المُعتدية مُرسلاً بذلك كتائب المُجاهدين من الإخوان الى فلسطين الذين شاركوا في حرب 1948.

كان حسن البنا قد أخذ يُولي اهتماماً كبيراً للقضية الفلسطينية التي اعتبرها قضية العالم الاسلامي بأسره مُوجها نداءه للأمة الاسلامية للجهاد في فلسطين بعد قرار التقسيم السافر عام 1947 قائلا “… لا بد لنا أن ندرك جيداً بأن الانجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة ألا وهي لغة الثورة والقوة والدم والتحرير، لا بدّ للأمة أن تتجه سريعاً إلى نصرة فلسطين وموطيء إسراء ومعراج نبينا الكريم قبل أن تدنسها الأيادي الصهيونية، إن الإخوان سيبذلون اراواحهم واموالهم في سبيل بقاء كل شبر منها اسلاميا عربيا حتى يرث الله الأرض ومن عليها”، مُعلنا قراره (6مايو 1948) الذي ينص على الجهاد المُقدس ضد اليهودية المعتدية ذلك القرار الذي كان سببا من اسباب اقدام الحكومة المصرية على حلّ جماعة الإخوان ديسمبر 1948 وما رافق ذلك من صدامات عنيفه مع حكومة النقراشي باشا الذي سيلقى حتفه سريعا بعد فترة وجيزة.

غضب النقراشي باشا

أدى القرار الذي اتخذه الإمام حسن البنا والذي فتح من خلاله باب الجهاد في فلسطين إلى امتعاض النقراشي باشا (رئيس وزراء مصر آنذاك) المُقرّب للولايات المتحدة وبريطانيا والذي قرّر(أي النقراشي باشا) في الثامن من ديسمبر 1948 حل جماعة الإخوان المُسلمين واعتقال اعضائها ومُصادرة اموالها على وجه السرعة، ليترك البنا وحيدا (أمر بعدم اعتقاله) ومُجرداً من الصلاحيات والحراسة بعد مصادرة مُسدسه الشخصي المُرخص به وسائقه واعتقال كافة أعضاء جماعته والذي كان من بينهم شقيقيه عبد الرحمن البنا وجمال البنا اللذان كانا يرافقانه في كافة تحركاته.

اعتقال…واغتيال

بعد اعتقال أَعضاء التنظيم من قبل سلطات النقراشي باشا زادت مطالب حسن البنا بالإفراج عن الإخوان بشكل عام وفوري وتوفير حراسة خاصة يتكفل هو بمصاريفها خوفاً على حياته التي باتت في خطر شديد بعد تلقيه العديد من التهديدات وتزايد الشائعات والأقاويل بأن هناك من يتربّص به ويريد قتله والتخلص منه، فرفض النقراشي باشا هذه المَطالب رفضاً قاطعاً لدرجة أنه لم يَسمح حتى بالترخيص لحارس شخصي لحسن البنا الشيء الذي أدى إلى إغتياله في الساعة الثامنة من مساء يوم السبت الثاني عشر من فبراير 1949 حينما كان البنا يَهمُّ بالخروج من باب جمعية الشبان المُسلمين برفقة صديقة ورئيس الجمعية السيد عبيد مكرم القبطي برصاصات مسدس تم اطلاقها من داخل سيارة تحمل رقم 9979 والتي عرفت فيما بعد لدى الأجهزة الأمنية بأنها السيارة الخاصة والرسمية للأميرالاي محمود عبد المجيد المدير العام للمباحث الجنائية بوزارة الداخلية كما ثبت في مُفكرة النيابة العامة، ليلفظ انفاسه الأخيرة في الساعة الثانية عشر والنصف بعد مُنتصف ذلك اليوم (أي بعد اربع ساعات ونصف من محاولة اغتياله) ليسير إلى مثواه الأخير مَحمولا على اكتاف النساء بعد منع سلطات النقراشي اقتراب الرجال منها ومن بيت البنا ليتم اغتيال النقراشي (محمود فهمي النقراشي) من طرف عبد الحميد أحمد حسن  أحد اعضاء الجماعة السرّي في الثامن والعشرين من ديسمبر من العام 1949( بعد شهر تقريبا من اغتيال حسن البنا) باعتباره السبب المُباشر لإغتيال حسن البنا وحلّ جماعة الإخوان المسلمين قبل ذلك.

معاد صوالحة

معاد صوالحة

أيوقونة بريس جريدة إلكترونية