حلقات تربوية 6

حلقات تربوية الحلقة السادسة: “دفاعا عن مجانية التعليم”

ايقونة بريس | العلوي رشيد

أثار رأي المجلس الأعلى للتعليم حول “مشروع القانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي”، والقاضي بضرورة فرض رسوم التسجيل على المتعلمين في التعليم الثانوي التأهيلي، أثار ردود فعل قوية أعادت النقاش حول المدرسة العمومية، وبعد استنكار الاحزاب السياسية ومنظمات وهيئات المجتمع المدني تم التشاور حول تشكيل جبهة وطنية للدفاع عن المدرسة العمومية، والتي عقدت اجتماعين هامين للتداول حول شكل الجبهة وطبيعتها وآليات اشتغالها.

لم تستسلم القوى التقدمية والديمقراطية المغربيةيوما لمخططات الإجهاز على التعليم العمومية بل دافعت بقوة عن حق المغاربة في تعليم عمومي مجاني وجيد، وقد كانت انتفاضة 23 مارس 1965 محطة هامة في تاريخنا السياسي المعاصر بحيث استطاعت أن تضمن للمغاربة حق الولوج إلى المدرسة العمومية،رغم الثمن الباهض الذي دفعه أبناء الشعب.

ليس يخفى على من تتبع الشأن المغربي منذ العقد الثامن من القرن الماضي حجم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حدثت في المغرب جراء الوفاء التام لتوجيهات وإملاءات المؤسسات المالية الدولية، فمنذ برنامج التقويم الهيكلي في شطريه، ستتواصل سلسلة الهجومات المتتالية على الخدمات الاجتماعية العمومية: الصحة، التعليم، التقاعد، صندوق المقاصة… وقد سنت الدولة عبر الحكومات المتعاقبة جملة اصلاحات مست في الجوهر مجانية التعليم العمومي منذ حكومة التناوب إلى اليوم، لذا يعتبر الهجوم الذي تتعرض المدرسة المغربية بعد استهداف المجانية مجرد حصيلة لقرارات سياسية سابقة تخدم مصالح طبقية لكمشة من المستغلين.

مع مطلع الألفية الثالثة صودق على الميثاق الوطني للتربية الوطنية الذي يؤكد على ضرورة اعتماد نظام رسوم التسجيل على الأسر الغنية ولكنه لم يفعل، وبعد ثلاث سنوات جاء النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنيةوأجهز على العديد من المكتسبات والذي لم يحدد عدد ساعات العمل وبقي الأمر سارياً على العرف إلى اليوم بحيث نرى أن 21 ساعة عمل في التاهيلي صارت رسمية دون سند قانوني وذلك لمواجهة الخصاص الحاصل جراء تقليص عدد مناصب الشغل.

حاول الميثاق بشكل لبق شكلا ومضمونا الاجهاز على المجانية كتمهيد لما نعيشه اليوم، ففي الدعامة الأولى من الميثاق (المادة 24) نجد بصريح العبارة تعريفا لمعنى التعميم: “يقصد بتعميم التعليم, تعميم تربية جيدة على ناشئة المغرب بالأولي من سن 4 إلى 6 سنوات وبالابتدائي والإعدادي من سن 6  إلى 15 سنة”. وهو ما يفيد أن التعميم الذي ستتحمله الدولة يقف عند حدود 15 سنة أي نهاية المرحلة الاعدادية كما تنص على ذلك المادة 26: “يصبح التعليم إلزاميا ابتداء مــن تمام السنة السادسة من العمر إلى تمـــام الخامسة عشرة منه، تبعا لتقدم إرساء الهياكل والشروط التربوية الكفيلة بإعطاء هذه الإلزامية محتواها العملي. ويستند تنفيذ الإلزامية، في كل مكان توافرت فيه هذه الشروط، على الجذب والحفز المعنوي للتلاميذ وأوليائهم, دون الاقتصار على الوسائل القسرية المشروعة وحدها”.

لا يفهم هذا الربط بين المجانية والتعميم إلا باستحضار جملة اجراءات أخرى أقرها الميثاق فيما يخص تمويل التعليم وتسيير المؤسسات، وتشجيع القطاع الخاص، فاعتماد نظام التسيير المستقل في التعليم الثانوي التأهيلي – كما جاء في الميثاق – في إطار نظام SEGMA (مصلحة للدولة تسير بطريقة مستقلة)، له علاقة وطيدة بالاجهاز على المجانية لأنه سيمنح للمؤسسات اعتماد رسوم التسجيل في سياق البحث عن التمويل الذاتي، كما هو الشأن في باب الشراكات المعمول بها أو مشاريع المؤسسات. أو الحصول على تمويل من الأسر الميسورة كما نصت على ذلك المادة 169 دون أن تحدد طبيعة مساهمة تلك الأسر أو المقاولات او الجماعات المحلية. مع العلم أن الأسر الميسورة لا تدرس أبنائها في المدارس العمومية.

أما مسألة الصندوق الذي تتحدث عنه الحكومة أو الوزارة ما من مرة، فقد نص عليه الميثاق في المادة 170 ويتعلق الامر بصندوق مخصص لدعم العمليات المرتبطة بتعميم التعليم وتحسين جودته في اطار مساهمة وطنية تخص جميع المغاربة مع مراعاة مستوى دخل الأسر ومبدأ التكافل الاجتماعي، وهو نفس الصندوق الذي جاء به “مشروع القانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي” في المادة 49.

وفي عبارة غامضة تحدد المادة 173 معنى إسهام الأسر : “إن إقرار إسهام الأسر يراد منه بالأساس جعلها شريكا فعليا، ممارسا لحقوقه وواجباته في تدبير وتقويم نظام التربية والتكوين وتحسين مردوديته”. غير هذه العبارة اللبقة والغامضة لا تسعى إلا إلى الاجهاز على مجانية التعليم خاصة في المرحلة ما بعد الثانوي الاعدادي. لأن المادة الأخيرة تتحدث عن مبدأ تفعيل التضامن الاجتماعي في صيغة فرض رسوم التسجيل: “المبدأ الثالث :تفعيل التضامن الاجتماعي بإقرار رسوم التسجيل في التعليم العالي، وفي مرحلة لاحقة في التعليم الثانوي … بحيث يراعى في تحديد رسوم التسجيل مدى يسر الأسر، بناء على ضريبة الدخل، مع تطبيق مبدأ الإعفاء الآلي للفئات ذات الدخل المحدود، والإنصاف بين الفئات الأخرى، كــــما يلي في المادتين التاليتـــين:

174– على مستوى التعليم الثانوي، في أجل أربع إلى خمس سنوات، وبقدر ما تتحقق الإصلاحات المتضمنة في هذا الميثاق وبالأخص، الرفع من جودة التعليم، تأطيرا وتجهيزا ومضمونا، وكذا إرساء مجالس تدبير المؤسسات، المنصوص عليها في المادة 149 أعلاه، يمكن تحديد مقادير رسوم تسجيل التلاميذ وفق المبادئ الآتية:

  • أ –  الإعفاء التام من أي أداء جديد للأسر ذات الدخل المحدود؛
  • ب- الإعفاء التدريجي، و مراعاة عدم الإخلال جوهريا بتوازن الميزانية العائلية لدى الفئات ذات الدخل المتوسط، وباعتبار عدد أبناء الأسرة الواحدة المتمدرسين بالتعليم الثانوي؛
  • ج – في حالة تمدرس متزامن لعدة أبناء لأسرة واحدة بالتعليم الثانوي، تعفى هذه الأسرة من الأداء عن التلميذ الثاني والثالث بنسب متدرجة، حسب قدراتها المادية؛
  • د – تعد رسوم التسجيل سنوية، ويمكن أداؤها موزعة على شهور السنة الدراسية وتكون مصادر تمويل خاصة بالمؤسسة. ولا يمكن بحال من الأحوال التصرف فيها خارج عمليات تدخل ضمن إطار تحسين جودة التعليم بالمؤسسة نفسها. ويوضع تسيير هذه الموارد تحت مراقبة مجلس التسيير الذي يمثل فيه كل من المؤسسة والآباء أو الأولياء والشركاء والمعنيين الآخرين.

175 –    على مستوى التعليم العالي، وطبقا لمادة 78، ومع مراعاة مقتضيات المادتين 173 و 174 أعلاه:

  • أ – تفرض رسوم التسجيل بعد ثلاث سنوات من تطبيق مشروع الإصلاح مع إعطاء منح الاستحقاق للطلبة المتوفقين المحتاجين؛
  • ب- تحت رسوم التسجيل المشار إليها في البند أعلاه بتوصية من مجلس الجامعة، وبموافقة السلطات الحكومية المعنية.

176 –    توجه مداخيل رسوم التسجيل إلى مؤسسة التعليم العالي نفسها، ويشرف على صرفـــها والمحـــاسبة عليها مجلس الجامعة المحدث بمقتضى المادة 152 أ من هذا الميثاق.

177–  يحدث نظام للقروض الدراسية، بشراكة بين الدولة والنظام البنكي، يمكن الطلبة وأولياءهم من أداء رسوم التسجيل بالقطاعين العام والخاص، بشروط وتسهيلات جد تشجيعية.

هكذا يتضح بجلاء أن ضرب مجانية التعليم ليس مجرد إشاعة تروجها وسائل الإعلام أو القوى السياسية المعارضة، وإنما مخطط تحكمه مصالح طبقية واضحة كما أشرنا سلفا، بحيث إن خوصصة التعليم يدر ملايير الدولارات لكمشة من المستثمرين في حق المغاربة في التمدرس. مع العلم أن المخطط جار على قدم وساق قبل الاعلان مباشرة عن مخطط الاجهاز على المجانية: فالتعليم الأولي في المدن الكبرى حيث يتركز أكبر عدد مهم من التلاميذ الذين ينحدرون من الفئات البرجوازية الصغيرة والكبيرة، والطبقات الوسطى، صار في جزء كبير منه خصوصيا، ولم تعد المدارس العمومية الابتدائية المتبقية تقدم خدمتها لابناء الشعب، مع العلم أن العديد منها تم تفويته أو هدمها لصالح مشاريع اخرى مذرة للربح، بحيث قد بلغ عدد المدارس العمومية المفوضة للخواص ما مجموعه 488 مؤسسة. وما ينطبق على المدارس الابتدائية ينطبق على الاعداديات، لذلك فإن اقرار رسوم التسجيل في المرحلة التاهيلية يهدف بالاساس الى دفع الاسر نحو التعليم الخصوصي المكلف جدا.

تعتبر المغادرة الطوعية التي استفاد منها قسط هام من رجال التعليم عملية مدروسة تهدف من ضمن ما تهدف إليه الى تفريغ القطاع من أجيال كاملة كان لها دور هام في الرقي بالوضع التعليمي، ودفعهم الى العمل في القطاع الخاص للاستفادة من خبرتهم وتجربتهم. هذا ناهيك عن توفير القاعدة المادية لضرب المقاومة والممانعة التي كانت للاجيال السابقة، وقد اتضح بجلاء بعد مشروع التعاقد نية تلك المغادرة.

لم يتوقف مسلسل الاجهاز على المدرسة العمومية بل تواصل مع حكومة عبد الاله بنكيران الذي دفع بالاصلاحات النيوليبرالية الى حدها الاقصى خدمة واستسلاما للمؤسسات المالية الدولية، فقد صرح أنه “حان الوقت لكي ترفع الدولة يدها عن مجموعة من القطاعات الخدماتية، مثل الصحة والتعليم” (أكتوبر 2014). وفي السنة الموالية تم الاستغناء عن 15 ألف موظف في التعليم استفادوا من التقاعد النسبي في الوقت الذي كانت الحكومة عازمة على تأديب الاساتذة المتدربين، بعد أن مررت مرسوم فصل التكوين عن التشغيل في يوليوز 2015 (المرسوم رقم 2.15.588)، وهي الخطوة التي لم تجرؤ عليها أي حكومة سابقة وما أعقبه من مخططات ستجهز على الوظيفة العمومية من خلال اعتماد التشغيل بالتعاقد وهو ما نص عليه المرسوم 2.15.770 الذي صدر في 19 غشت 2016.

يصاحب هذا الهجوم المنظم والموجه والمدروس بعناية حملة تشنيع واسعة تمس كرامة المدرسين ومستوى المتعلمين، بحيث يتم التبخيس مرارا من قيمة المدرس والحط من قيمته ومكانته الرمزية في المجتمع، وتقدم نماذج اجتماعية كنماذج ناجحة يتوجب على الناشئة التطلع اليها والاقتداء بها، فلننظر مثلا كلام وزير التعليم العالي الداودي في هجومه على الشعب الادبية، وكأن الآداب لا قيمة له في المنظومة العامة لبنية المجتمع والدولة معا، مع العلم أن رجال القانون والسياسة وقسط كبير من مؤسسات الدولة تغذيها الشعب الادبية، بل إن الجهاز الايديولوجي كاملا ينتمي الى هذا المجال: فلماذا الاعلاء من قيمة التقنوي والتكنوقراطي المشوه؟ هل يتعلق الأمر بمرض العصر؟ لا شيء يفسر هذا غير الباتولوجيا الاجتماعية بتعبير اكسل هونيث.

النقاش الذي أثير بعد رأي المجلس الأعلى لا يتعلق بالمجلس وحده بل بالحكومة لأنها هي التي أصدرت “مشروع القانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي”،الذي أعاد النظر في المجانية في انسجام تام مع ما جاء به الميثاق، حيث نقرأ في الباب السابع من هذا المشروع والخاص بتمويل التعليم ما يلي: المادة 48: “تضمن الدولة مجانية التعليم الالزامي، ولا يحرم أحد من متابعة الدراسة بعد هذا التعليم الإلزامي لأسباب مادية محضة، إذا استوفى الكفايات والمكتسبات اللازمة. ويتم إقرار رسوم التسجيل في التعليم العالي، ولاحقا في التعليم الثانوي التأهيلي، مع تطبيق مبدأ الإعفاء الآلي للأسر في وضعية فقر، في اطار تفعيل التضامن الاجتماعي”، كما تنص المادة 49 على: “يحدث صندوق يخصص لدعم العمليات المرتبطة بتعميم التعليم والتكوين وتحسين جودتها، يتم تمويله من طرف الدولة ومساهمات الاطراف المعنية والشركاء”. أما المادة 50 فتقر بضرورة احتفاظ “مؤسسات التربية والتكوين والبحث بمواردها الذاتية لتنمية مستلزمات الجودة والتأهيل”، وهو الأمر الذي دفع بعض الجامعات مثلا في اطار الاستقلالية الى فرض رسوم متابعة الدراسة على الموظفين بمبالغ خيالية.

 ⇓ مواضيع ذات صلة

أيوقونة بريس جريدة إلكترونية