حلقات تربوية: الحلقة الخامسة “كرامة الأستاذ أولاً وأخيراً”

ايقونة بريس- رشيد العلوي

أمة تسخر وتستفز وتطعن في المدرس وتنسب إليه مختلف شرور النظام العام: هي أمة باللفظ دون أي معنى، وستجني من هذا التبخيس ويلات لا تحسب في التقدير.

ليس الهجوم الذي شنته الصحف وبعض الأقلام المأجورة على رجل التعليم بالأولى من نوعها في المغرب، فمنذ خطاب الحسن الثاني في الثمانينيات من القرن الماضي الذي نال فيه من المدرسين ومن سلطتهم واتهمهم بتحريض الصغار ضد النظام العام، توالت الهجمات على هيئة التدريس من مختلف الأسلاك التعليمية ورسخ في التمثلات العاميَّة صورة الأستاذ السمسار والتاجر والمقاول بدل صورة المعارض والناقد والسياسي والنقابي والزعيم.

انتهج النظام السياسي الذي يتحمل كامل مسؤوليته فيما آلت إليه أوضاع المغاربة عموما ووضعية القطاعات العمومية وما تقدمه من خدمات، وضعية التعليم حصراً. وقد شمل الهجوم المنظم ضد هذه الهيئة مختلف وضعياتها:

  • انحدرت أجور هيئة التدريس من الرتبة الثالثة في بداية العقد الثامن إلى الرتبة 33 بعد ثلاثة عقود، ودفعهم ذلك إلى امتهان حرف أخرى (الشغل التكميلي) خلق منهم سماسرة ومقاولين وتجار، وفي خطوة محسوبة قدم لهم التعليم الخاص في طبق من ذهب لقبول سياسة نيوليبرالية في جسم غير رأسمالي.
  • عزلهم عن مجال السياسة وأغرقهم في مطب المطالب غير المتناهية: الترقية، الأجور، التعويضات… لإلهائهم عن الشأن العام وقضايا الوطن.
  • أرهقهم بالاكتظاظ وترسانة قانونية قطاعية تحول دون الفحص النقدي والرافض للايديولوجيا الرسمية.
  • تفريخ نقابات وتعددية حزبية مفبركة كعصف ذهني للتيه السياسي.
  • دفعهم إلى المغادرة الطوعية والتقاعد النسبي لتفريغ القطاع من أجيال كاملة لها باعها الطويل في المقاومة والممانعة، وذلك لتسهيل ولوج أجيال التعاقد والهشاشة مهام تدبير هذا القطاع.
  • تحصين الإدارة من تسلل رجال المبادئ إليها وذلك للتحكم في دواليب تمرير المخططات القاتلة التي دمرت المدرسة العمومية وستدمر المجتمع لا محالة.

يحظى المدرس في مختلف المجتمعات بمكانة خاصة وتقدير لا نظير له بالنظر إلى مكانته ودوره في تكوين أفراد المجتمع والسهر على أمن وسيادة الوطن، لإيمانها أن مربي الأجيال هو العمود الفقري للمجتمع. فهل يفهم مسؤولونا أن الأمن التربوي والتعليمي أولى من الأمن الغذائي والصحي؟ كيف يمكنك أن نضمن أمن الوطن والمجتمع والمواطنين جميعا دون تعليم وتربية؟ هل يمكن للتقنويين و”لأصحاب الشكارة”أن يضمنوا الأمن التربوي والتعليمي؟

رغم أن سلطة المدرس عموما تتعرض لعملية تفكيك كبرى بفضل اصلاحات تروم في جوهرها تسليع التعليم، بحيث إن مخطط المهننة الذي يروج له منذ ما يقارب العقد دون أن يرى النور بعد سيضرب العديد من المكتسبات التاريخية التي ناضلت عليها الشغيلة التعليمية لعقود خلت. فسلطة المرس تبدأ وتتجلى في قوة قراراته ومسؤوليته في اقتراح مواضيع الامتحانات وتصحيحها وفي عمليات المراقبة، وفي مختلف المجالس (التدبير، التعليمية، الأقسام، المداولات، التأديب…) التي لم تعد لدى مدرسي اليوم غير عبء يجب التخلص منه، بحيث يكتفي معظمهم بتوقيع المحاضر دون حضورها لهذا يجب توخي الحذر من تصريف سلطة المدرس لغير المدرس.

يمثل المدرس حلقة أقوى وأضعف في الآن ذاته: فهو الجندي الحارس للجماهير المتعلمة (دركي ورجل أمن المجتمع قبل رجال الدرك والأمن)، إنه حارس أمن حقيقي يسهر على التهذيب والترويض وحسن سلوك المتعلم المفعم بالحيوية والنشاط الزائد. وفي نفس الوقت يلام على كل شيء: عن تدنى مستوى التعليم، غياب وانعدام الأمن والضبط، انحراف المتعلمين، عن عدم تقويم سلوكهم وفشلهم… ففي الامتحانات تظهر بجلاء قوة المدرس: الدركي الحقيقي.

ورغم قوته تلك التي تمنحها له سلطته التربوية، فإنه خاضع لكل السلطات التربوية: الوزارة، الاكاديمية، المديرية الاقليمية، مدير المؤسسة وطاقمه الاداري، الآباء، المجتمع المدني، المراقب التربوي…

من الطبيعي جدا أن ما آل إليه الوضع التعليمي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي بالمغرب، هو نتيجة طبيعية لخيارات سياسية سابقة سهلت الحكومة الإخوانية مأموريتها دون أي وعي بما سينتج عنه من تحولات عميقة على مختلف الأصعدة، وطبيعي جدا أن حكومة “عفى الله عما سلف” لا تفقه في السياسة مادام شعارها الايديولوجي “الاسلام هو الحل” لا يهمه غير أخونة الدولة والمجتمع لخدمة أهداف امبريالية محضة كما هو جارٍ في تجارب مختلفة منذ ما يقارب ثلاثة عقود ونصف لأن ايديولوجيو الحركات الاسلاميَّة واهمون ومخادعون: واهمون في أنه يمكن ارجاع التاريخ إلى الوراء نحو بناء دولة الخلافة كما كان عليه الأمر أيام الرسول وهذا يعبر عن نكوص خطير جداً على مستوى الوعي، ومخادعون لأنهم يتصورون يطوبياهم وكأنها الجنَّة الموعودة: أي ارجاع العالم الأرضي نسخة للعالم السماوي، عالم لا يوجد فيه مخالف وملحد وكافر ونصراني ويهودي… عالم التقوى والنعيم المطلق فيما يشبه مملكة الرب المسيحيَّة التي سادت في القرون الوسطى. فالسياسة الجارية في التعليم من خوصصة، وتهرب الدولة من مسؤوليتها اتجاه المجتمع وأفراده، وتقليص لميزانيتها العمومية والدفع بسماسرة القطاع الخاص الذين فشلوا قبل عقدين في قطاع النسيج وقطاعات انتاجية أخرى لمراكمة الثروة على حساب أمن وسيادة المجتمع، واضفاء المرونة على علاقات الشغل عبر التعاقد والتوظيف المباشر، وتوسيع صلاحيات التحكم الاداري من خلال الادارة الاقليمية التي ستحول المدير الاقليمي الى مقرر بدل مسير ومنفذ تعليمات بدل مدبر، ومدير المؤسسة الى مراقب بأعين أجيوسArgos   (في الاساطير اليونانية كلفت الملكة هيرا أرجوس – عين العالم – الذي يملك 100 عين بحراسة آيوالتي حولها عاشقها زيوس – زوج هيرا – الى نعجة عالقة في الشجرة المقدسة)… هذه السياسة هي جزء من سياسة عامة تسري على مختلف قطاعات البلد الحيوية، والتي يجري تدميرها بآلة المديونية الجهنمية، فهل يعي اخوان المغرب أن سياستهم ستنال منهم بعد أن تنال من المجتمع وقواه الحية والتقدمي.

إن الوهم المترسخ لدى نخبة صغيرة تسير المجتمع اليوم على هداها دون أن تدري أنها مجرد أدوات ستنتهي صلاحيتها يوما ما، ستمحى من الوجود ومن كل الحسابات وستكون كبش فداء المخططين الكبار القابعين وراء الستار. وبعد أن تزول كل الأوهام سيكون الأوان قد فات على كل غيرة أو وطنية ستصير مجرد هيكل فارغ المعنى. بحيث  تنامت – بحسب تعبير اوسكار نيجت والكسندر كلوج – في مجتمعنا نخب من مدراء ومُسيِّري الشَّركات، أرباب العمل (الباطرونا)، ممثلي اللُّوبيات (قوى الضغط)، وأنواع شتى من الدُّمى (الكراكز) السياسيَّة في الحكم…، والتي لا تتوافق مصالحها مع مصالح الشعب، بل مع مصالح الشركات. وهذه السُّلط الجديدة هي سُلط تفعل فيها النُّخب الجديدة التي ستقضي على مفهوم الاقتصاد كما نعرفه. ويقدمون مثالاً صارخاً تمثل في مسلسل الخصخصة حيث تقدم الدول بإيعاز من هذه النخبة على خصخصة مواردها لسد نفقات الميزانيَّات الاجتماعيَّة، وهو ما سيشكِل عبئاً إضافياً على الأجيال القادمة، لأنَّ وجود خصخصة في ميزانيَّات القطاعات الاجتماعيَّة لن تسدَّهُ أبداً مخططات تفويت وخصخصة الشركات العموميَّة، وإنَّما البحث عن موارد جديدة وخلق شركات استثمار عموميَّة جديدة في قطاعات واعدة وتنافسيَّة. ستُلحِقُ تلك التغيرات على المستوى الاقتصادي جراء الخطط الجديدة (مع النخب الجديدة) تغيُّرات جوهريَّة في الفضاء العمومي، فمنظّرو المقاولة سيضحُّون بكل شيء: يبيعون الخيرات العموميَّة والحياة نفسها. لأنَّ خصخصة المشاكل الاجتماعيَّة من منظور النُّخب الجديدة أهمُّ بكثير من البحث عن الحلول الجماعيَّة: “إنَّه خطأ فظيع وخطير جداً. فالخصخصة ليست شيئاً آخر غير نقل النفقات وتحويلها من الدولة إلى الفرد الذي سيتحمل تبِعاتِها: نفقات التربيَّة، الصِّحة، والتي ستثقل ثلاث مرات الأجيال الشابة أكثر من الدولة.

ومن أجل الدفاع عن كرامة المدرسة أولا وأخيرا نتساءل: لماذا نرفض الوصفات النيوليبرالية المطبقة في المغرب غير الإمبريالي؟ كيف أمكننا أن نواجه مصيرنا الجماعي؟ هل ستسعفنا وصفات افان ايليتش لتبني خيار مدرسة المجتمع بدل مدرسة النظام السياسي؟ هل لنا بديل في تحررية بينك فلويد وغيرهم؟

منذ يوم 27 دجنبر 2004 حيث أصدر الوزير الأول آنذاك ادريس جطو منشوره تحت عدد 21/2004 لتوضيح مضامين المرسوم المنظم للمغادرة الطوعية وما تلاه من تصريح ولعلو حول فوائد هذه المغادرة وتأثيرها على الاقتصاد المغربي لأنها مخطط مغربي بامتياز، صار شبح المديونية الخارجية والداخلية هم كل الحكومات التي تعاقبت بعد ذلك على تدبير الشأن المغربي دون أن تكون لها أية صلاحيات سياسية حقيقية، لأن الحكومة الحقيقية هي حكومة الظل: التي تطمئن المغاربة بأن الازدواجية قدرنا التاريخي والحتمي!

هكذا بدأت الهجوم على هيئة التدريس وصارت كرامته قاب قوسين، وتقلص أجره إلى أدنى أجر في العالم، واحتل الرتبة ما قبل الأخيرة في الكوكب الأزرق وفق تصنيف مركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو:

المدرس أولا وأخيرا

وبالعودة إلى وطننا تعمدنا الوقوف على احصاءات سنة 2009 للمقارنة بين الأجور العمومية في مختلف القطاعات لكي تتضح الصورة أكثر عن المرتبة 33 التي ذكرناها أعلاه أما احصاءات اليوم فهي صادمة جدا:

مقارنة بين الأجور العمومية

يبقى أن رفضنا للسياسة النيوليبرالية هو نابع من قناعتنا بفشلها ودفعها للمواطنين نحو التفقير المطلق من خلال تحمل تبعات الأزمة التي سببتها الدوامة الجهنمية للدين، وقد سبقتنا في ذلك دول أخرى انحدرت في رمشة عين نحو الجحيم: اليونان مثال صارخ. ولهذا فنحن بحاجة أكثر مما مضى إلى قوة يسارية وتقدمية وحداثية قادرة على صد هذا الهجوم الكاسح: فهل من قوة واعية وقادرة على حماية الوطن (وطن المغاربة) والمجتمع من خراب مقبل وآت لا محالة؟


أيوقونة بريس جريدة إلكترونية