حلقات-تربوية-8

حلقات تربوية، الحلقة الثامنة: هل يحق لأرباب العمل أن يضربوا في التعليم الخصوصي؟

العلوي رشيد | مؤطر تربوي 

في برنامج “مواطن اليوم” لقناة ميدي 1، حلقة الخميس 2 فبراير 2017 والذي تناول موضوع “التعليم الخصوصي: الواقع والآفاق”، أثار انتباهي العديد من الآراء والمواقف المعبر عنها من طرف المشاركين وهم:

  • المتدخل الأول عبد الهادي زويتن عن رابطة التعليم الخصوصي، وهو بالمناسبة ممثل لمؤسسات التعليم والتكوين الخاص في المجلس الأعلى للتعليم.
  • المتدخل الثاني: رشيد ريان المدير الإقليمي – تطوان
  • المتدخل الثالث: يونس عنيبر نائب رئيس جمعية المستهلك فرع الدار البيضاء

وقد تزامن هذا البرنامج مع إعلان باطرونا التعليم الخصوصي (وخاصة المنتسبين للواء الرابطة) عزمهم على خوض إضراب وطني في مارس المقبل.

حفزنا النقاش الذي دار بين المتدخلين الثلاث لطرح السؤال أعلاه كمنطلق لكتابة هذا المقال. فهل يحق فعلا لباطرونا التعليم الخصوصي أن تضرب في تعارض تام مع حقوق المتعلمين والأجراء معا؟ نعلم جيدا أن الفصل 288 المشؤوم من القانون الجنائي يجرم عرقلة حرية العمل حينما يتعلق الأمر بإضراب الأجراء، وكم هي عديدة المحاكمات الصورية التي نالت من نقابيين وعمال اضربوا وتم الحكم عليهم بدعوى عرقلتهم لحرية العمل، مع العلم أن الأساتذة العاملين في المدارس الخصوصية لا يمتلكون نقابة تمثلهم أو تنظيم ذاتي لخوض حقهم في الإضراب أو وضع ملف مطلبي مشترك، ما دام وضعهم كفئة وضعا مشتركا ينظمه قانون الشغل.

(يصرح زويتن أن عدد العاملين يتجاوز 80 ألف في الأسلاك التالية: ما قبل الأولي، الابتدائي، والإعدادي)، بغض النظر عما يمكن أن يمثله الأساتذة العموميون من قوة لكسر إضراب أساتذة الخصوصي.

وقبل أن نجيب عن هذا السؤال يذهب يونس عنيبر إلى أن هناك أسباب تدفع الأسر إلى تسجيل أبنائها في المدارس الخصوصية وهو خطاب موجه للدولة في شخص الوزارة الأولى أو المجلس الوزاري قبلها ولوزارة التعليم تحديدا، لأن مشكل الاكتظاظ وغياب الأساتذة العموميين والتشكي من كثرت الإضرابات ومن قلة الجودة ناهيك عن التفاوت في النقط الممنوحة بين العمومي والخصوصي، كلها عوامل تدفع الأسر إلى اللجوء للتعليم الخصوصي بغرض تجاوز معيقات أو هفوات المدرسة العمومية، ويستدرك أن “ما تقوم به الباطرونا ليس في صالح التلميذ” في إشارة إلى الإضراب المزعم أن تخوضه في مارس المقبل، لأن ما يحكمها هو هاجس تجاري محض، وهو في هذا فهو محق، حيث يسجل يونس تعسفات جمة تخص فاتورة الأسر والزيادات المتوالية التي تفرضها المدارس كل سنة في غفلة عن الوزارة أو في تواطؤ معها، على الرغم من أنه لم يسلم من الجرة هو نفسه كجمعية تدعي تمثيل المستهلك أو الزبون وهي ليست كذلك! بحيث أعلن أن ما يفوق عشرات الآلاف من الأسر التي تشتكي من ارتفاع رسوم التسجيل والتعسفات التي تطالها في المدارس الخصوصية، وفي نبرة ابتزازية يقول يمكن أن نلجأ للقضاء لأن بعض الأسر لجات فعلا إلى القضاء، وقد رد عليه زويتن أن الأمر لا يتعلق بالمدارس الخصوصية المغربية لأن أسرا أخرى احتجت ضد مدارس البعثات مما يفيد أن المشكلة أعمق مما يمكن أن نتصوره: التجارة تجارة لها أهلها ولها سماسرتها وبين هذا وذاك ملفات لا تقدر بثمن! الأمر لا يعنينا إلا من باب الواجب، لأن مطلبنا واضح لا لبس فيه: مدرسة عمومية جيدة ومجانية لكل أبناء المغاربة، لا أقل ولا أكثر.

يدافع ممثل الرابطة عن جملة أفكار ليبرالية متوحشة يعتقد أنها بديهية ويمكن أن يقبلها الجميع بكل بساطة، غير أنها ليست كذلك فصاحبنا يستعمل مصطلح “بيع التربية” في إشارة واضحة وصريحة إلى أن التربية خدمة قابلة للبيع والشراء، وهو ما يجيب عنه المدير الإقليمي رشيد ريان في أول كلام له “التربية خدمة عمومية”، وهو أمر معقول ومنطقي لأن التربية خدمة عمومية تستوجب في حالة تخصيصها / خوصصتها أن يكون هناك قانون عمومي تتخلى بموجبه الدولة عن عمومية التربية وتعتبرها مخوصصة. فهل تقبل التربية فعلا أن تكون خصوصية؟ الخصوصية هنا لا تعني خوصصة مجال التربية: فالآباء والشارع يقوم بدور هام في فعل التربية بشكل خصوصي يفعل فيه الإنساني بكل قيمه وبكل إرادة حرة تعود إلى سلطة التقليد والعادة والعرف. لهذا يؤكد المدير الإقليمي إن الوزارة في شخص الأكاديميات والمديريات الإقليمية والمؤسسات تتعاون دوما مع المدارس الخصوصية  في مساواة تامة مع المؤسسات العمومية في مجال التكوينات والشراكات مما يعني أن الحديث عن الإقصاء والتهميش لا مجال لإثارته.

في معرض حديثه غير المرغوب فيه عن “بيع التربية”، يعتبر زويتن أن هذا البيع “لا ثمن له” بحيث تختلف المؤسسات الخصوصية في تحديد قيمته المادية وذلك جراء المنافسة الدائرة بين مؤسسات الخصوصي فيما بينها، بحيث نجد مؤسسات موجهة للبرجوازية الكبيرة (كذا) والموجهة للبرجوازية الصغيرة (كذا) ولأسفل السافلين: يا للعجب! الطبقية حتى في التعليم الخصوصي أمر لا مفر منه، فالذين يتوجهون فعلا إلى تعليم البعثات الخصوصي ليسوا هم من طينة الذين يتوجهون إلى مدارس “ممتازة” (بما تحمل الكلمة من معنى سوقي)، ناهيك عن مدارس “قضي أو عدي”. يتعلق الأمر في نظرنا بصراع حقيقي حول إنتاج النخبة أو إن صح التعبير إعادة إنتاج النخبة الحاكمة!

يعبر زويتن عن تدمره واستياءه من الوضع الذي وصل إليه وضع التعليم الخصوصي في علاقته مع الوزارة معلنا أن التعليم الخصوصي يتعرض بشكل مستمر للحملات التشويهية وهو “لا يملك أية آلة إعلامية تدافع عنه أو بجانبه”، وطبيعي جدا أن هذا اللوبي الذي يحاول أن يفرض نفسه في الساحة الإعلامية لا يملك من الآليات ما تملكه الوزارة او الدولة عامة أو الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني، ببساطة لأنها تمثل حالة نشاز في مجموع هموم الشعب الذي يكتوي بنار الرأسمالية المتوحشة، هذا ناهيك عن كون الرابطة التي يمثلها زويتن ما هي إلا جمعية من ضمن جمعيات أخرى لها نفوذ حقيقي في الإعلام وتمتلك ما يكفي من المنابر الإعلامية للدفاع عن مصالحها في وجه منافسين آخرين يستفيدون من نظام الريع بصريح العبارة. فما الذي يمنعكم من امتلاك أداة أو أدوات إعلامية حقيقية مع الأخذ بعين الاعتبار أنكم تأخذون الأرباح بالملايير شأنكم شأن باقي لوبيات قطاعات أخرى؟

نعود إلى سؤالنا المنطلق: هل يحق لبعض/ أو لجل أرباب (باطرونا) مؤسسات التعليم الخاص خوض الإضراب؟ الدعوة إلى الإضراب إلى حدود الآن تشمل بعض أرباب المدارس الخصوصية (وحتى في حالة تقرير جل الأرباب خوض الإضراب) فهل لهم الحق في ذلك؟ مبدئيا أنا أدافع كموقف شخصي (لا يلزم أحدا: لا صفتي المهنية ولا انتمائي النقابي أو السياسي أو الأيديولوجي) عن حق جميع المغاربة في التعليم العمومي المجاني والجيد، لكن التبجح بالاحتجاج لأول مرة في التاريخ المغربي (إضراب أرباب العمل) ليس من المقبول أو المعقول، ببساطة لان المتعلمين الذين يؤدون واجباتهم الشهرية في إطار “بيع التربية” الذي تحدث عنه زويتن، لهم الحق الكامل في متابعة أرباب العمل في سياق عرقلة حق الاستفادة (ولو أن حق الاستفادة هذا يندرج ضمن علاقات رأسمالية فهو أمر واقعي) من خدمات مؤداة.

من بين ما استفز ممثل الباطرونا في النقاش العمل بالعقدة، وأنا أتقف معه في كون المذكرة الوزارية أعطت تسهيلات للمتعاقدين (في إطار سياسي واضح للضغط يعرفه هو جيدا ويعرفه الملمون بمشكلات التعليم) لم يكن القطاع الخاص قد وفرها قبلا لعماله وأجرائه وأساتذته، غير أن هذا مجرد حيلة لتكريس هذا النوع من العمل والجسم داخل المدرسة العمومية. وملاحظاته على المذكرة لا تتجاوز حدود شجبه لفقدانه ما يقارب 2000 منصب شغل ارتحلوا الى المدرسة العمومية تعاقدا. إنها حرب ضروس تدور دواليبها وسط تخمة مستفيدة وريعية من هذا وذاك سيكشف الزمن عنها يوما. وبيننا وبينهم التاريخ.

الصراخ بصدد المراجعة الضريبية لا كلام عنه، لأنه من المعروف منذ اتفاق فاتح ابريل 2007 ان التعاقدات قد وضعت وفكرة 10 آلاف إطار التي ينسبه زويتن إلى التعليم الخصوصي، وتشرفت الوزارة بتكوينهم ولم يحضوا بالعمل في التعليم الخصوصي قصة لا نعرف حيثياتها ولكنها معضلة تستوجب البحث والنبش في خباياها، مع العلم أن زويتن في الوقت الذي يصرح فيه بخرق الوزارة لقانون 15/04، يعترف بالعلاقات الممتازة بينهم وبين الأكاديميات والمديريات الإقليمية رغم تدمره من عقم الإدارة بحيث ينتقل فيما يشبه الهجوم إلى عرقلة المديريات (14 مديرية) مما يعني أن لوبي وباطرونا التعليم الخاص قد تجرأ على الهجوم على هيكلة وزارية ومؤسساتية هي شأن سياسي ومجتمعي بالجملة.

صحيح أن بعض ما جاء في الحوار منسجم تماما مع همومه الرأي العام، غير أن ما تناساه زويتن ومسير البرنامج الذي ظهر في صورة موجه متحكم فيه من الخلف، هو أن التعليم الخصوصي لا يمثل إلا نسبة ضعيفة من المغاربة، بحيث يصرح زويتن إن مشكلتهم تكمن في أساتذة التأهيلي الذين يقدرون ب 6 آلاف مدرس. لكن المحير هو أن 80 آلاف التي يدعي أنها مندمجة كليا في الأسلاك الأخرى قبل التأهيلي لا تنتمي إلى نقابة أو أطار يدافع عنها ولا حق لها في الإضراب فكيف لأرباب المدارس الخصوصية أن تضرب؟

إن في إعلان اعتزام أرباب المدارس الخصوصية خوض الإضراب في مارس المقبل لهو مجرد ورقة ضغط لتنفيذ بنود اتفاق ابريل 2007 التي لم تلتزم بها لا الوزارة ولا أرباب المدارس الخصوصية: وما هذا إلا مجرد مسرحية تمثل على ظهر الشعب المقهور والمستضعف. لكم حساباتكم وللشعب حساباته: استنزفوا جيوبنا ما شئتم ولكن من المؤكد أن يوم الغضب والمحاسبة الفعلية سيأتي.

 

أيوقونة بريس جريدة إلكترونية