رشيد العلوي

الحلقة الثالثة: النقاش العمومي والمؤسساتي حول البرنامج الاستعجالي

ايقونة بريس- رشيد العلوي

إلى حدود الآن لا يوجد تقييم عام وشامل للبرنامج الاستعجالي أنجزته مؤسسة من المؤسسات التشريعية والدستورية، باستثناء العروض التي قدمها وزير التعليم أمام اللجان القطاعية بالبرلمان ومجلس المستشارين أو أجوبتهم على الاسئلة الشفوية والمكتوبة التي يطرحها النواب داخل الغرفتين، أو بعض التصريحات الصحفية التي تنشر بين الفينة والأخرى. وحتى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي منح له الدستور صفة نشر تقرير سنوي عن منظومة التربية والتكوين لم ينجز إلى حد الآن أي دراسة في الموضوع، رغم أن البرنامج الاستعجالي أوكل للهيئة الوطنية للتقييم داخل المجلس مهمة تقويم المنظومة.

تقييم المجتمع المدني:

بغض النظر عن الموقف الرافض للبرنامج والذي أعلنت عنه بعض النقابات والجمعيات المهتمة بالشأن التربوي والتعليمي، فلا توجد دراسة مفصلة وشاملة تخص تقييم البرنامج الاستعجالي، ويعزى هذا الأمر إلى مجموعة من العوامل نجملها فيما يلي:

  • ضعف الرأي العام: ونقصد به أساسا غياب النقاش العمومي النقدي الذي يحاسب ويتابع ويعاين ويعبئ المواطنين من اجل خلق رقابة ذاتية وعفوية اتجاه السياسات التعليمية التي ترصد لها ميزانيات ضخمة ولم تنجز أشغال وبنيات تحتية لا تكلف الكثير، وفي نفس الوقت لا تتم محاسبة المسؤولين على ذلك، ويرتبط ضعف الرأي العام ايضا بغياب وضعف الصحافة المستلقة عن اجهزة الدولة وعن اللوبيات والمصالح الضيقة، بالنظر الى ما تلعبه من دور في تعبئة المواطنين والمتدخلين في القطاع من أجل انجاز بعض البرامج التي تخدم المجتمع أكثر من مصالح الافراد.
  • ضعف العمل السياسي وافتقاره لآليات التدقيق والمتابعة:ض ذلك ان العمل السياسي في المغرب لا يرقى الى مستوى الفعل العقلاني المنظم والخاضع لمؤسسات سياسية تنتج الخطاب وتخطط لخدمة المجتمع وتراقب كل البرامج التي تدخل في مجال اختصاصاتها، كما هو الحال في البلدان المتقدمة والديمقراطية. ويستتبع ذلك تحول تلك الاحزاب الى مجرد آلات لتنفيذ برامج الدولة والتخلي عن برامجها الخاصة[1]، مما يفقدها الثقة لدى قسط عريض من النخب والفئات الصغرى والمتوسطة. وفي الآن ذاته تتحول القاعدة العريضة للاحزاب الى مؤيدة للحكومة او معارضة بحسب موقع الحزب من التمثيلية السياسية في الحكومة.
  • غياب جمعيات المراقبة والتدقيق في انجاز المشاريع: بطبيعة الحال يمكن لجمعيات المستهلكين واولياء التلاميذ وجمعيات المديرين والاساتذة والاداريين وكل من له صلة بالقطاع ان تلعب دورا هاما في تعبئة السلطات المحلية والتحرك من اجل توفير الحد الادنى من تنفيذ البرامج والمخططات في القطاع، وفي الآن ذاته اعتماد مبدأ المحاسبة التي يجب ان تضمن قانونيا، من خلال حماية المراقبين حماية قانونية ومدنية ودولية كما هو الحال بالنسبة للنشطاء الحقوقيين والسياسيين.

وفي نفس الوقت نشير إلى أن بعض النقابات ومنها تحديدا الكونفدرالية الديمقراطية للشغل[2] قد رفضت منذ البداية البرنامج الاستعجالي معتبرة إياه برنامجا استراتيجيا وليس استعجاليا يتطلب: ” اتخاذ تدابير وإجراءات وطنية كبرى وشجاعة، بما يحدث الرجة المطلوبة داخل المجتمع الذي فقد الكثير من الثقة في مؤسساته، بفعل السياسات والاختيارات التي أثبتت التجارب فشلها”[3]. ونفس الشي بالنسبة لفيدرالية جمعيات أباء وأولياء التلاميذ التي اعتبرت هي نفسها أن البرنامج الاستعجالي ككل لا يرقى الى مستوى الاستجابة لتطلعات الشعب المغربي.

  • ابتعاد المعنيين المباشرين عن تتبع انجاز البرامج: عادة ما يكون لعدم اشراك المعنيين المباشرين في المخططات والبرامج المتعلقة باصلاح القطاع، أثر سلبي على انجاز وتنفيذ بنوده، لأنه عدم الاشراك يدع المعنيين خارج دائرة المسؤولية.

يمكن أن نجمل معظم التوصيات التي تبدو لنا منسجمة مع طبيعة التحليل المقدم في:

  1. ضرورة تطوير البحث العلمي والأكاديمي في مجال السياسة التعليمية كجزء من السياسة العمومية عامة، وذلك بتشجيع مراكز البحث والاعتراف بدوره الأساسي في النقاش العمومي والمؤسساتي؛
  2. تشجيع الدراسات الميدانية القطاعية، من خلال الربط بين التعليم العالي والتعليم المدرسي، وتأطيرها وفق رؤية استراتيجية وهادفة؛
  3. تمتيع المنظمات والمراكز والجمعيات المهتمة باستقلاليتها عن القرار الرسمي والسياسي، ومنحها دعما عموميا؛
  4. ضمان الحق في الولوج إلى المعلومة باعتبارها أساس البحث العلمي، وحقا من حقوق المواطنين؛
  5. تنسيق الجهود بين المؤسسات الدستورية والمؤسساتية المهتمة بالتقييم وتوحيد رؤاها وجهودها لضمان تقييمات شاملة وموضوعية مستقلة عن سلطة القرار في الشأن العام والتعليمي خاصة؛
  6. الدفع باللامركزية واللاتركز في اتجاه منح الجهات صلاحيات واسعة في تخطيط وتدبير وتنفيذ السياسات العمومية جهويا؛
  7. دعم المقاربة بالمشروع ومنح المؤسسات التعليمية صلاحيات واسعة بخصوص مشاريعها الخاصة؛
  8. إشراك النقابات والجمعيات والهيئات وكل المعنيين المباشرين في تخطيط السياسات العمومية؛
  9. تفعيل الديمقراطية التشاركية في كل ما يتعلق بالمصلحة العمومية؛
  10. تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛
  11. اعتماد مبدأ الرقابة المدنية على مخططي ومنفذي السياسات العمومية. 
  12. ——————————————————————————-

[1]هذا ان صح الحديث عن برامج حزبية منبنية على مشاريع مجتمعية، لأننا نعتقد ان معظم الاحزاب لا تمتلك مشروعا مجتمعيا كاملا، وأن برامجها تقتصر على البرامج الانتخابية التي تتميز بكونها برامج ضيقة وتعبوية، تحمل وعود غير قابلة للتحقيق، وتهدف فقط الى طمأنة المواطنين والكتلة الصوتية من الفئات الشعبية، لضمان تمثيليتها في أجهزة الدولة.

[2] – أدلى علال بنلعربي الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم – كدش – عرضا مفصلا ونقديا للمخطط الاستعجالي أمام المجلس الأعلى للتعليم سنة 2008. والذي يمثل وجهة النظر الرسمية للنقابة من المخطط الاستعجالي.

[3] – كلمة علال بنلعربي امام المجلس الأعلى للتعليم.

 

أيوقونة بريس جريدة إلكترونية