عندما يصبح الفساد أسلوب حُكْم

[mashshare] Share on Google+



تُظهر الممارسة الحديثة أن أحد أهم العوامل التي تشوّه الصورة المثالية للمنافسة بشكل ملحوظ-باعتبارها الآلية الرئيسية لعمل الدولة الديمقراطية-، هي ظاهرة الفساد التي تشجع على إنشاء احتكارات “غير طبيعية” في مختلف مجالات الحياة العامة.

 فالفساد أصبح لا يمكن إنكاره، ويظهر دائمًا في “الزوايا المظلمة” لأي نظام سياسي وإداري وفق سياقات وممارسات مختلفة. و قد لعب الفساد تاريخيا الدور الأساسي في أداء الأنظمة الاستبدادية وبأشكال مختلفة ( من الرشوة المباشرة إلى المحسوبية …)، وكذلك في الأنظمة الشمولية من خلال أنماط محددة من الامتيازات المادية والاجتماعية. ففي ظل هذه الأنظمة يتم خلق الظروف التي تولد المسؤولين الفاسدين الجدد وتحفيز الفساد. 

وفي هذا الخضم ندرك جيدا الآثار السلبية المترتبة عن الفساد، فعلى المدى القصير يعتبر مناقضًا لسيادة القانون، يتعارض مع القواعد والإجراءات الرسمية التي تؤثر على توزيع الموارد، والوصول إلى العدالة، وفعالية مؤسسات إنفاذ القانون، وعلى المدى البعيد، يقوض مبدأي الإنصاف والعدالة المجسدين بروح القانون، ويضعف نزاهة الحكومات، ويضعف شرعية الدولة في حد ذاتها. 

في المغرب عادة ما يتخذ الفساد شكلا هرميا منظما يخضع ويضبط مختلف المؤسسات والقطاعات السياسية والإدارية، التي تعمد النخب السلطوية من خلالها إلى توليد شروط مسبقة مواتية للفساد البيروقراطي من خلال خلق ضوابط مريحة وتسلسلات هرمية فضفاضة كما تسمح لمثل هذا الفساد بالازدهار والتطور.ففي الأنظمة السلطوية الجديدة، يكتسب الفساد باعتباره الآلية الدافعة لنشاطه طابعًا شاملاً، ويمكن تعريفه على أنه “سيطرة الدولة” التي تمثل الجزء العلوي في النظام الهرمي لأشكال الفساد السياسي والاقتصادي، والنموذج المغربي لا يخرج عن هذا السياق، وعليه نجد في الغالب أن الديمقراطيات الهجينة تولد الفساد البيروقراطي،إذ غالبا ما يولد النمط السلطوي في الحكم بيئة مواتية لإساءة استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة. وفي هذا الإطار يزعم مُنـَظرو نظرية الاختيار العام أن معدلات الفساد تتناسب طرديًا مع درجة الاحتكار الذي يتمتع به أصحاب المناصب على مجال بيروقراطي محدد، ويتناسب تناسبا عكسيا مع متطلبات المساءلة نتيجة المسؤوليات التي يتحملونها، وبالاستناد إلى نظرية الاختيار العام دائما، هناك احتمال كبير في ارتفاع منسوب الفساد في الأنظمة السلطوية، التي تتميز بانخفاض المساءلة العامة ووجود هياكل من الحوافز المشوهة في البيروقراطيات الحكومية الواسعة، ودائما ما ينظر مواطنوها إلى الفساد على أنه مفيد أو حتى لا مفر منه، وبالنظر إلى المغرب وفي ظل سيادة بيئة سلطوية  تشهد على تدخل الدولة في الاقتصاد وتفتقر إلى المنافسة الاقتصادية والصحافة الحرة وغياب عمليات الفحص والرقابة والتدقيق وانعدام التوازن البيروقراطي، المركزية المالية، وعدم فعالية النظام القانوني ، ونقص الحريات المدنية، فإن  تكريس ثقافة الانفلات من العقاب المرتبطة بالفساد تكون هي السائدة والمهيمنة. وحتى القيم الأخلاقية والمعيارية يتم تخريبها بشكل منهجي وتراكمي، بطريقة تفيد الجهات الفاعلة في تحصين مواقعها وضمان الاستمرارية في الاستفادة من مختلف موارد الدولة.

( يـُتبع)