كازاخستان: الضرب تحت الحزام الروسي

©أيقونة بريس: أحمد موفق زيدان"عربي21"

 

2022/01/10التحديث في 57:02//

انتهت الاحتجاجات في كازاخستان، وهدأ غبار مواجهاتها، لكن على الأقل ظاهرياً. وعاد الإنترنت يعمل من جديد، بعد أن أقفلته السلطات الرسمية أيام الاحتجاجات، غير أن ذلك لم يمنع المتظاهرين من إيصال صوتهم للخارج.

وظلت الساحة الكازاخية مفتوحة على أسئلة كثيرة دون إجابات، ويبدو أن ذلك سِمة الأنظمة الاستبدادية الشمولية بحيث تكون البلاد مرتهنة للأسئلة أكثر مما هي للأجوبة.

فبعد أن كان راعي الاستبداد العالمي، فلاديمير بوتين، يُبشّر بالنموذج الكازاخي في نقل السلطة سلمياً من نزار باييف إلى توكاييف، حيث تدخل عملية انتقال السلطة عامها الثالث، كانت الاحتجاجات العنيفة في المنطقة التي بدت مستقرة ظاهرياً لسنوات؛ تهدد النموذج الذي سعى بوتين لتعميمه على مستعمراته، ومن ضمنها بيلاروسيا، وربما سوريا، وحتى روسيا نفسها حيث تردد عن عزمه عدم الترشح مرة أخرى، مع بقائه ممسكاً بالخيوط من خلف ستار على طريقة نزار باييف.

اليوم أمام بوتين الذي سارع إلى إرسال قواته الخاصة استجابة ظاهرية للرئيس قاسم جومارت توكاييف؛ خطران يتهددانه، وهما فشل أنموذج انتقال سلطة سلمي كان يراهن على أن يكون مقبولاً شعبياً ومنطقياً، بحيث يغدو ماركة بوتينية مسجلة، وأنموذج آخر في أوكرانيا التي غزاها عسكرياً عام 2014 فتسبب بإسقاط حليفه، ومجيء رئيس جديد أصبح موالياً للغرب ضده، بل وغدا رأس رمح غربيا في الخاصرة الروسية، التي حرصت موسكو طوال تاريخها على وصفها بجوهرة التاج الروسي.

للتذكير فإن أحداث كازاخستان بدأت في اليوم الثاني من الشهر الحالي، حين احتج عمال الغاز المُسال في جنوب البلاد على رفع الحكومة لأسعار الغاز، مما أرهق معيشتهم، لكن الحكومة لم تستجب لمطالب المحتجين، تماماً كما فعلت قبل عقد تقريباً وفي نفس المكان، حين قمعت الاحتجاجات فقتلت العشرات من العمال يومها، وصمت المحتجون حينها. لكن ظلّ الجمر تحت الرماد، فعادةُ الاستبداد إخفاء الوسخ تحت سجادة حكمه، لينفجر لاحقاً بشكل أعنف كما حصل اليوم، وسرعان ما تحوّلت المطالب المعيشية في الاحتجاجات الحالية إلى مطالب سياسية، فهتف المحتجون مباشرة غرب البلاد، وفي ألما آتا العاصمة التاريخية للبلاد، ضد الرئيس السابق نزار باييف الذي استقال عام 2019، لصالح توكاييف، مع بقائه حاكم ظل، ومحتفظاً برئاسة مجلس الأمن القومي، بينما تحكّم ابن عمه صمد آيبش برئاسة المخابرات.

وظل نزار باييف مع أقاربه يتحكمون بالمفاصل الاقتصادية والأمنية، مما جلب عليهم الغضب الشعبي، فكان ردّ الرئيس الحالي سريعاً على الاحتجاجات بإزاحة نزار باييف عن منصبه والقبض على مدير المخابرات بتهمة الخيانة، لتنفيس الشارع، وأشيع عن سفر نزار باييف للعلاج في موسكو، وإن كان ذلك قد نُفي، لكن لا أحد يعلم الحقيقة على وجه الدقة.

تحوّلت المطالب الشعبية إلى مظاهر عنف، حيث قيل إن معسكر نزار باييف أدخل شبيحة وبلاطجة وعصابات إجرامية، فاندلعت معركة مسلحة في الشوارع، وأظهرت على الفور مقاطع فيديو انضمام عناصر من قوات الأمن للمتظاهرين والمحتجين. بيد أنه لا أحد يعلم مرة أخرى بشكل دقيق ما الذي جرى، مما فسّره مراقبون غربيون على أنه صراع على السلطة، ودفع ذلك الرئيس الحالي إلى طلب مساعدة دول المعاهدة الجماعية وعلى رأسها روسيا، التي أرسلت على الفور أعداداً تضاربت أرقامها، فقيل 2500، وقيل 3000، وقيل 5000، ولكن المجمع عليه أنها كانت من قوات السبيتناز الخاصة، وتحديداً من اللواء 45 الذي قاتل في أفغانستان صيف 1987، ثم شارك بقتال ثوار الغوطة وحلب في سوريا.

تكمن أهمية كازاخستان لروسيا في كونها إحدى الدول الثلاث التي ذكرها يلتسين في نهاية حكمه على أنها مرشحة لضرورة إعادة هندسة استقلالها بما يخدم الأمن الروسي. فشمال كازاخستان الذي يقطن فيه حوالي أربعة ملايين روسي لا بد من ضمه وفقاً لنظرية يلتسين إلى روسيا مجدداً، وقد نفّذ بوتين وصية يلتسين في ما يتعلق بكل من أبخازيا في جورجيا (2008)، والقرم ودونباس في أوكرانيا (2014)، ولم يتبق أمامه الآن سوى شمال كازاخستان التي تتشاطر وروسيا سبعة آلاف كيلومتر من الحدود، مما يجعل أي انتفاضة أو عمل تمردي فيها مهدداً بشكل كبير لروسيا، ويعني انتقال التمرد القومي والإسلامي الهجين المحتمل فيها إلى داخل روسيا، مما يزعزعها داخلياً، ويهزّ سمعتها الإقليمية والدولية.

وقد عبّر بوتين عن مخاوفه تلك في مؤتمره الصحافي السنوي المعتاد آخر كل عام حين قال: “نحن نعرف أن روسيا لا يمكن هزيمتها، وثبت هذا لقرون، ولكنها قد تتدمر داخلياً من خلال عناصر داخليها لها ارتباطات خارجية”.

استفزّ بوتين الكازاخيين خلال خطاب له أمام تجمع للشباب الروسي بعد معركته في أوكرانيا 2014، حين رد على سؤال شبابي بخصوص متى سينضم شمال كازاخستان لروسيا أسوة بالقرم وأبخازيا، فقال مستهزئاً ومستهيناً: “إن كازاخستان لم تكن دولة على امتداد تاريخها”، فردّت عليه الحكومة الكازاخية على الفور بإعلان الاحتفال بمرور 550 عاماً على حكم الخانات فيها، كتأكيد على تاريخية الدولة والحكم فيها.

يُدرك بوتين تماماً أن مستعمراته تتعرض لانتفاضات شعبية، مما يعني باختصار أن دليله في الحكم غير مقبول شعبياً، بل ومهدد بشكل متواصل في الانقلاب عليه. وقد ظهر ذلك في جورجيا 2008، ثم في سوريا 2011، وكذلك أوكرانيا 2014، أيضاً في بيلاروسيا 2021، والآن في كازاخستان، ولم يكن من حلّ أمامه سوى التعامل العسكري من خلال الدبابات والطائرات والقصف، والإبادة الجماعية، فأي تفاوض بين هذه الحكومات ومعارضيها يعني أن على الأصل وهي موسكو أن تفعله مع معارضيها، بينما يصر بوتين على مواجهتهم إما بالتسميم أو الاعتقال والتخلص منهم، فكل تمرد يحصل على مستبد من حلفائه يرى فيه خطراً شخصياً عليه وعلى حكمه.

ما جرى في كازاخستان أخيراً من تحطيم تماثيل نزار باييف، هو قطع لعلاقة مع تاريخ من الاستبداد، وهذا له استحقاقاته كازاخياً وروسياً، والتعامل معه بطريقة وضع الرؤوس في الرمال لم يعد يُجدي، فما تجدد من احتجاجات جنوب كازاخستان قبل عشر سنوات يمكن أن يتجدد فيها وفي غيرها، لا سيما وأن هذه المرة كانت الاحتجاجات مطالب سياسية، وتطاول على رمز تاريخي، سعى إلى استحداث عاصمة جديدة عام 1997 أسماها باسمه “نور سلطان” وسط حالة من الفقر والعوز المتفشية بالبلاد.

الوجود الروسي اليوم في كازاخستان قد يشكل فرصة لإبعاد النفوذ الأمريكي والصيني عنها، لا سيما وأن الرئيس الحالي كان قد دعا الصين إلى مساعدته، مما أغضب قيصر الكرملين، أما الشركات الأمريكية فلديها استثمارات بمليارات الدولارات في مجال الطاقة، ونظراً لكون الرئيس الحالي توكاييف ديبلوماسيا مخضرما عمل في الخارجية السوفييتية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد نجح بشكل بارع في تأسيس علاقات متوازنة إلى حد كبير مع روسيا والصين وأمريكا، وجعل الجميع يشاركه الكعكة الكازاخية، مما فرض على الجميع الحرص على استقرار البلاد، والمحافظة عليها. لكن دخول بوتين ومساعدته في قمع الاحتجاجات، سيكون له ثمن يتحتم على توكاييف أن يدفعه من الكيس الأمريكي تحديداً، وفعله هذا قد يقلب معادلات دولية في كازاخستان ويفرض أخرى جديدة، فهل يستطيع توكاييف التعاطي معها؟! وكيف سيكون ردّ الشارع على هذه التغيرات التي قد يكون لها تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية؟ يبقى سؤالا كبيرا!

الكازاخ التي تعني الخارجين عن القانون، يبدو أنها بحجمها الكبير البالغ 2.717000 كيلومتر مربع، ويقطن فيها 20 مليون نسمة، وبحدود تصل إلى سبعة آلاف كيلومتر مع روسيا، مرشحة لتكون برميل بارود جديدا يُضاف إلى براميل بارود تجلس عليها روسيا مع تدخلها المباشر فيها، ويمتد قوس الأزمات هذا من أوكرانيا وبيلاروسيا إلى سوريا وليبيا، مما قد يُشكل عبئاً على مفاوضاتها مع الغرب أكثر مما قد تشكل أوراقاً ضاغطة لصالح قيصر الكرملين، فضلاً عن تحولها إلى قنبلة صاعقها بيد مجهول قد تنفجر في أية لحظة.