خطاب الملك محمد السادس في القمة المغربية الخليجية بالرياض

ألقى الملك محمد السادس ، خطابا ضمن أشغال القمة الخليجية المغربية بقصر الدرعية بالرياض الأولى من نوعها، التي انطلقت مساء الأربعاء في العاصمة السعودية الرياض،
وننشر النص الكامل للخطاب الملكي الذي اهتمت به وكالات الانباء ووسائل الاعلام الدولية واعتبرته خطابا دا أهمية كبرى :
“الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
إخواني أصحاب الجلالة والسمو،
أصحاب المعالي والسعادة،
جئت اليوم ، بقلب مِلؤه المحبة والاعتزاز، كعادتي عند ما أحل بمنطقة الخليج العربي.
وأود بادئ ذي بدء ، أن أعبر عن شكري لأخينا خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود ، على تفضله باستضافة هذه القمة الهامة ، ولكافة قادة دول مجلس التعاون الخليجي، على مشاركتهم فيها.
كما أعرب لكم عن اعتزازي وتقديري ، للدعم المادي والمعنوي الذي تقدمونه للمغرب ، في انجاز مشاريعه التنموية ، والدفاع عن قضاياه العادلة.
فلقاؤنا اليوم، يجسد عمق روابط الأخوة والتقدير، التي تجمعنا، وقوة علاقات التعاون والتضامن، بين بلداننا.
فرغم بعد المسافات الجغرافية ، التي تفصل بيننا ، توحدنا والحمد لله ، روابط قوية ، لا ترتكز فقط على اللغة والدين و الحضارة ، وإنما تستند أيضا ، على التشبث بنفس القيم والمبادئ ، وبنفس التوجهات البناءة.
كما نتقاسم نفس التحديات ، ونواجه نفس التهديدات ، خاصة في المجال الأمني.
و لكن، لماذا هذه القمة الأولى من نوعها ولماذا اليوم ؟
إخواني أصحاب الجلالة والسمو :
لقد تمكنا من وضع الأسس المتينة لشراكة استراتيجية هي نتاج مسار مثمر من التعاون، على المستوى الثنائي، بفضل إرادتنا المشتركة.
فالشراكة المغربية الخليجية، ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة. وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير، ومن تطابق وجهات النظر، بخصوص قضايانا المشتركة.
لذا، نجتمع اليوم، لإعطاء دفعة قوية لهذه الشراكة ، التي بلغت درجة من النضج ، أصبحت تفرض علينا تطو ير إطارها المؤسسي، وآلياتها العملية.
وهي خير دليل على أن العمل العربي المشترك، لا يتم بالاجتماعات والخطابات ولا بالقمم الدورية الشكلية، أو بالقرارات الجاهزة، غير القابلة للتطبيق، وإنما يتطلب العمل الجاد، والتعاون الملموس ، وتعزيز التجارب الناجحة، والاستفادة منها وفي مقدمتها التجربة الرائدة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي.
إنها رسالة أمل لأنفسنا، واشارة قوية لشعوبنا، على قدرتنا على بلورة مشاريع تعبوية مشتركة.
أصحاب الجلالة والسمو:
إن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة. فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة و تقسيم الدول ، كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا . مع ما يواكب ذلك من قتل و تشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي.
فبعدما تم تقديمه كربيع عربي ، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية ، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية ، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز.
إننا نحترم سيادة الدول، ونحترم توجهاتها، في إقامة وتطوير علاقاتها، مع من تريد من الشركاء. ولسنا هنا لنحاسب بعضنا على اختياراتنا السياسية والاقتصادية.
غير أن هناك تحالفات جديدة ، قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة. وهي في الحقيقة، محاولات لإشعال الفتنة، و خلق فوضى جديدة ، لن تستثني أي بلد. وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة ، بل وعلى الوضع العالمي.
فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد . وسيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه ، الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم
و من ثم ، فإن عقد هذه القمة ، ليس موجها ضد أحد بشكل خاص ، و لاسيما حلفاءنا . إنها مبادرة طبيعية و منطقية لدول تدافع عن مصالحها ، مثل جميع الدول ، علما أن أشقاءنا في الخليج، يتحملون تكاليف وتبعات الحروب المتوالية ، التي تعرفها المنطقة.
أصحاب الجلالة والسمو ،
إن الو ضع خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف ، ومحاولا ت الطعن من الخلف .
فماذا يريدون منا ؟
إننا أما م مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي. فالأمر واضح ، ولا يحتاج إلى تحليل . إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا ، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرا رها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية .
وأقصد هنا دول الخليج العربي و المغرب والأردن، التي تشكل واحة أمن وسلا م لمواطنيها ، وعنصر استقرار في محيطها .
إننا نواجه نفس الأخطار، ونفس التهديدات ، على اختلاف مصادرها و مظاهرها .
فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا، بل هو واحد لا يتجزأ . فالمغرب يعتبر دائما أمن واستقرار دول الخليج العربي، من أمن المغرب. ما يضركم يضرنا وما يمسنا يمسكم.
وهو ما يحرص على تجسيده في كل الظروف والأحوال، للتصدي لكل التهديدات ، التي تتعرض لها المنطقة، سواء في حرب الخليج الأولى، أو في عملية إعادة الشرعية لليمن ، فضلا عن التعاون الأمني و الاستخباراتي المتواصل .
إخواني أصحاب الجلالة والسمو،
إن المخططات العدوانية، ا لتي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة ولن تتو قف. فبعد تمزيق وتد مير عدد من دول المشر ق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب.
وهذا ليس جديدا. فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة في مناوراتهم المكشوفة.
فهم يحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادر ة الحكم ا لذاتي، التي يشهد المجتمع ا لدولي بجديتها ومصد اقيتها.
ومع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل، الذي يصادف اجتماعا ت مجلس الأمن حول قضية الصحراء، فزاعة تر فع أمام المغرب، وأداة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، و لابتزازه أحيانا أخرى.
أصحا ب الجلالة والسمو،
لا يفوتنا هنا، أن نعبر لكم عن اعتزازنا وتقد يرنا، لوقوفكم الدائم إلى جانب بلادنا في الدفاع عن وحدتها الترابية.
فالصحراء المغربية كانت دائما قضية دول الخليج أيضا. وهذا ليس غريبا عنكم.
ففي سنة 1975، شاركت في المسير ة الخضراء، لاسترجاع أقاليمنا الجنوبية، وفود من السعودية و الكويت وقطر وسلطنة عمان والإمارات، التي تميزت بحضور أخينا سمو الشيخ محمد بن زايد آ ل نهيان ولي عهد أبو ظبي، ا لذي كان عمر ه آنذاك 14 سنة.
ومنذ ذ لك الوقت ، لم تدخر دول الخليج أي جهد ، من أجل نصرة قضيتنا ا لعادلة ، والدفاع عن سيادة المغرب على كامل أراضيه . وهو ما أكد تموه خلال الأزمة الأخير ة مع الأمين العام للأمم المتحدة .
غير أن الوضع خطير هذه المرة، و غير مسبوق في تا ريخ هذا النزاع المفتعل ، حول مغربية الصحراء .
فقد بلغ الأمر إلى شن حرب بالوكالة ، باستعمال الأمين العام للأمم المتحدة ، كوسيلة لمحاولة المس بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه ، من خلال تصريحا ته المنحازة و تصرفاته غير المقبولة ، بشأن الصحراء المغربية .
ولكن لا تستغربوا. فإذا عرف السبب ، بطل العجب .فماذا يمكن للأمين العام ، أن يفعله وهو يعتر ف بأنه ليس على اطلاع كامل على ملف الصحراء المغربية ، مثل العد يد من القضايا الأخرى . بل إنه يجهل تطوراته ا لدقيقة ، وخلفياته الحقيقية .
و ماذا يمكن للأمين العام القيام به ، و هو رهينة بين أيدي بعض مساعد يه و مستشاريه ، الذ ين يفوض لهم الاشراف على تدبير عدد من القضايا الهامة ، و يكتفي هو بتنفيذ الاقتراحات ا لتي يقدمونها له .
ومعروف أن بعض هؤلاء الموظفين لهم مسارات وطنية، وخلفيات سياسية ، ويخد مون مصا لح أطر ا ف أخر ى ،د و ن التزام بما يقتضيه منهم الانتماء لمنظمة الأمم المتحدة ، من واجب الحياد و الموضوعية ، ا لذي هو أساس العمل الأممي .
فالأمين العام ، رغم تقديرنا الشخصي له ، ما هو إلا بشر. لا يمكنه الإلمام بكل القضايا المطروحة على الأمم المتحدة ، وإيجاد ا لحلول لكل ا لأزما ت و الخلافات عبر العالم .
وأود التأكيد هنا ، أن المغرب ليس له أي مشكل مع الأمم المتحدة، التي هو عضو نشيط فيها ،ولا مع مجلس الأمن، ا لذي يحتر م أعضاءه ، ويتفاعل معهم باستمرار ؛ وإنما مع الأمين ا لعام ، وخاصة بعض مسا عديه ،بسبب مواقفهم المعادية للمغرب .
والمغرب كان دائم التنسيق، بخصوص هذ النزاع المفتعل ،حو ل وحدتنا الترابية ،مع أصدقائه التقليديين ، كالولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و إسبانيا ،و مع أشقائه العرب ، خاصة دول الخليج ، و الأفارقة كالسنغال وغينيا وكوت ديفوا ر والغابون.
غير أن المشكل يبقى مطروحا مع ا لمسؤولين بالإدارات ، التي تتغير بشكل مستمر ، في بعض هذه الدول .
و مع كل تغيير يجب بذ ل الكثير من الجهود ، لتعر يفهم بكل أبعاد ملف الصحراء المغربية ،وبخلفياته الحقيقية ،وتذ كيرهم بأن هذا ا لنزاع ،ا لذي دام أ ز يد من أربعين سنة ،خلف العديد من الضحا يا ،وتكا ليف مادية كبير ة ،وبأن قضية ا لصحراء هي قضية كل المغاربة ،و ليست قضية القصر الملكي لوحده.
أصحاب الجلالة والسمو،
لقد حان وقت الصدق والحقيقة. إن العالم ا لعربي يمر بفترة عصيبة. فما تعيشه بعض ا لدول ليس استثناء، و إ نما يد خل ضمن مخططات مبرمجة ، تستهدفنا جميعا.
فالإرهاب لا يسيء فقط لسمعة الإسلام و المسلمين ، وإنما يتخذه البعض ذريعة لتقسيم دولنا ،و إشعال الفتن فيها .
وهو ما يقتضي فتح نقاش صريح وعميق ، بين المد اهب الفقهية ،قصد تصحيح المغالطات ، وإبرا ز الصورة الحقيقية للإسلام ، والرجوع للعمل بقيمنا السمحة.
إن الأمر لا يتعلق بقضية في دولة معينة، وإنما بحاجتنا إلى وعي جماعي بهذه التحديات ، وبإرادة حقيقية لتجديد عقدنا الاستراتيجي مع شركائنا ، بناء على محددات واضحة المعالم ، تضبط علاقاتنا خلال العشريات المقبلة.
إننا نعيش مرحلة فاصلة ، بين ما ذ ا نر يد، و كيف يريد الآخرون أن نكون.
إننا اليوم ، أكثر حاجة لوحدة ووضوح المواقف ، بين كل الدول العربية. فإما أ ن نكون جميعا كالجسد الواحد والبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضا ، أو أن نكون كما لا نر يد.
وفقنا الله لما فيه خير شعوبنا وأمتنا.
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته”.
(ومع-20/04/2016)