حكومة بنكيران ومفارقات الحقل السياسي

ابقونةبريس خالد راكز

ما الفرق بين حكومة بن كيران وحكومة التناوب؟ سؤال، يواجه المتتبع للمشهد السياسي المغربي المليء بالمفارقات حتى التخمة، فقد كان اليوسفي يصارحنا بمرارة، عن وضع ملتبس، جيوب المقاومة والضغط، والوضع الداخلي الذي كان يعيشه الاتحاد الاشتراكي أناداك، وانتهى به الأمر الى أن يحمل حقيبته ويرحل، بعد أن القى تصريحا ناريا ببروكسيل، قائلا لرفاق الساسي: “لي ما عجبوا الحال أرض الله واسعة”.

هل يتكرر الأمر مع “سي بنكيران” فجيوب المقاومة صارت عفاريت وتماسيح، وكلنا يذكر ذلك التمساح الذي ظهر على حين غرة على ضفاف “نهر أبي رقراق” أي مخيلة تلك تستطيع أن تستجمع أشلاء المفارقات، والتناقضات في مغرب يتحرك في مكانه.

بنكيران، استطاع بشخصيته العجيبة أن يشد المغاربة اليه (عفوية، وظهرانية، واحباط في السياسة. اليوم بعد أن اقتربت حكومة بنكيران من نهايتها ولا يعلم الاتي إلا الله حد قوله، يصرح أمام مجموعة من الطلبة “حنا غير خدامين عند الملك، أو ما بغيناش نتزاحموا معاه “

لقد بتنا أمام وضع دستوري غامض بعد 2011، حيت طفا الى السطح دستور ضمني يمنح الملكية كمؤسسة تنفيذية وضعا شاسعا بصفتها فاعلتا سياسية أساسية، كما عبرت عن ذلك “رقية المصدق” أي تحجيم دور مؤسسة الوزير الأول لصالح حكومة الظل.

 بالعودة الى الوقائع والأحداث في تسلسل زمني يخفي منطق الأشياء، وكيف يتم إعادة صياغتها، فالأكيد أن الملكية كفاعل سياسي، تتمحور حول العديد من الشرعيات، فالملك ليس فاعلا دينيا فحسب، بل هو فاعل سياسي بمعنى أن الصراع الحالي مند تنصيب حكومة بنكيران، أبان عن نوع من النزاع حول الشرعية.

فالأمر لم يعد يتعلق بحزب ديني مادام العدالة والتنمية، قد استطاع أن يحجم ولو مرحليا الجناح الدعوي لفائدة الجناح السياسي، فالملكية الدستورية المغربية، والدين، والسياسة، لا يجتمعان إلا في شخص أمير المؤمنين (خطاب العرش 30 يوليوز 2004)، مما جعل العدالة والتنمية تعمل بجد على تعديل قوانينها الداخلية في إطار قانون جديد، فرارا من تصنيفها كحزب ديني، ألم يصرح الحمداوي أن التوحيد والاصلاح، والعدالة والتنمية، تجربتين مستقلتين تلتقيان على مستوى المشروع.

لقد تعاملت العدالة والتنمية بحس “براغماتي” من أجل تدبير التناقضات، والحفاظ على التوافقات المرعية، كما سبق لأحد الصحفيين التساؤل، هل تشمل التقاليد المرعية بن كيران والقصر؟

طيلة خمس سنوات حاول بن كيران جاهدا مرة “بكريزماته” ومرة بالخروج الى الرأي العام، لعله ينال عطف، ورضى الشعب المغربي، لكن لا شيء يشفع له لأن المؤسسة التقليدية بحمولتها المخزنية لم تشفع له.

بات جليا أن حزب العدالة والتنمية خضع لمنطق اللعبة السياسية، كما أشار الى ذلك المرحوم والباحث السوسيولوجي “محمد العيادي” «حزب العدالة والتنمية كان له دور اقتضت الظروف أن يقوم به وهو، إحداث نوع من التوازن في الساحة السياسية، بعد رفض احزاب الكتلة الديمقراطية المشاركة في تجربة التناوب الصيغة الأولى والثانية، مما جعل العدالة والتنمية يقوم بدور التوازن داخل الحقل السياسي مع احزاب الكتلة واليسار، وليس التوازن داخل الحقل الديني».

لقد صرنا أمام سياسة دينية، لا تقوم بدورها إلا بحضور فاعليين دينين، يقومون بأدوار سياسية، فـ 16 ماي، فرضت على الفاعليين الدينين أن يؤمنوا أدوار سياسية، وحاجيات سياسية للمرحلة الراهنة، كما تجلى ذلك خلال تدبير بن كيران للعمل الحكومي، أنه رجل إطفاء فقط لحالة احتقان اجتماعي، لازالت بذره  قائمة.

لقد شبه “سعد الدين العثماني” حزب العدالة والتنمية، بالحزب الشعبي الإسباني، فهل التشبيه مصادفة أم أنه خندق ايديولوجية مستقبلية صوب اليمين، فقد رفع حزب العدالة والتنمية شعارات الفقراء، التي تغنت بها حناجر الفبرايرين، بل هناك من يقول أن حزب العدالة والتنمية  سرق من الحركة تأججها وركب على الموجة كباقي الحركات الإسلامية في العالم العربي، لكن واقع الحال جعل العدالة والتنمية يسير صوب اليمين.

في المغرب لا أحد كان يتوقع المائلات الحزينة للاتحادي الاشتراكي، وتغير قواعد اللعب وفق سياسة الإدماج والإقصاء فلا أحد ينتقد ساسة التقويم الهيكلي، ونتائج الخصخصة، أو يتحدث عن حصيلة التعليم في المغرب والتنمية القروية.

لا شك أن العدالة والتنمية تمتلك إطار تنظيمي قوي وألة بيروقراطية صلبة، تراعي القوانين الداخلية، ووحدة الصف، كما أنها تمارس السياسة بـ براغماتية، وتجريبية، بعد أن  فشلت جزء من الأحزاب الوطنية من التخلص من تضخم الشعارات، فعدم تموقع العدالة والتنمية في اليمين أو اليسار، سمح له أن يتحرك في الرقعة على جميع الاتجاهات فهو تارة يمد يده حول حزب الاستقلال “اليمين الوطني “، وتارة آخري يحاول الاقتراب من اليسار على قاعدة الطهرانية والنقاء، فمند صعود بنكيران، لم يتوقف عن البحث عن نقط الالتقاء مع حزب الاشتراكي الموحد،  وحزب الطليعة، فالمشترك على حد تعبيره هو الطهرانية السياسية ونقاء اليد لجزء من مناضلي اليسار، ربما كان هو محاولة لجر البساط من تحت أقدام الأصالة والمعاصرة الذي تغدى تنظيميا من “مزرعة اليسار الجديد”، ألم يقم بن كيران، بزيارة بيت المرحوم “أحمد بن جلون” والترحم على عمر بن جلون وتبرئت الشبيبة الإسلامية من دمه؟ 

كما خرج علينا “عبد العزيز افتاتي” في ما سبق، وأمام الاف المشاهدين، حاملا “الخيار الثوري” للمهدي بن بركة؟ إنها اسئلة مفتوحة لحقل سياسي محكوم بالإرادوية، ومرتهن بتوافقات هشة محكومة بمنطق الثنائية، (الأصالة والمعاصرة).

إن الثقافة السياسية تعبر عن المفارقات، والتوترات التي تحدتها هذه المفارقات كما قالة الأكاديمية والباحثة الاجتماعية المغربية “رحمة بورقية: « فثنائية التقليد، حداثة أصالة معاصرة، سلفية تجديد، تحكم الثقافة السياسية، وترهنها وفق منطق تعادلي». ألم يقل ذات مرة بنكيران ” كلنا جينا من هذا الدار” (حزب الاستقلال) في معرض مشاداته مع شباط.

لقد قرر حزب الاستقلال، أن ينسحب من الحكومة، ولأول مرة يتهم زعيم سياسي، رئيس الحكومة، بتهميش المؤسسة الملكية، ويرفع رسالة تظلم الى الملك. إنه حدث سياسي يستدعي المسائلة والتأمل. هل المؤسسة الملكية في موقع ضعف ليدافع عنها شباط؟ وإذا صح ذلك، فكيف تم ذلك التهميش؟

واقع الأمر يظهر مزيدا من هيمنة الملكية على الفضاء العام، باكتساح تدريجي لهذا المجال اقتصاديا وسياسيا. لقد صرنا أمام حزب دولتي ” parti politique étatique ”  يحاول أن يبسط نفوده على المجتمع في احتواء دينامية اجتماعية صاعدة عبر عنها الحراك المغربي، وغدتها شعارات اليسار.(كرامة، حرية، عدالة اجتماعية…)

الا يمكن أن نعتبر ،الأمر هو استباق لرياح “بوديموس” القادمة أو اليسار الشعبي في اوروبا، خصوصا أن دور العدالة والتنمية، قد استنفذ مرحليا، أي تم تحييده “la neutralisation”

لقد شهدنا قبيل الانتخابات عودة الأعيان، وظاهرة العائلات البرلمانية، بالإضافة الى عودة النقاش التقليدي، حول وزارات السيادة، النقاش المحتدم حول الداخلية، والأوقاف، والأمانة العامة للحكومة، مما عطل تشكيل الحكومة لمدة اسابيع، وجعل  رئيس الحكومة ينتظر داخل بيته الموافقة النهائية على تشكيلته الحكومية.

واقعة أخرى، تحيل على نوع من التليين السياسي لعبد الاله بنكيران، فعباس الفاسي، ومحمد العنصر، هما من الحا على بن كيران ليعرض الهيكلة الجديدة للحكومة على الملك، رغم أن الدستور يعطي لرئيس الحكومة هيكلة الوزارات، لقد عدنا الى التقاليد المرعية.

لقد حضر بنكيران الى عرس “نرجس الرغاي” وجالس خصومه على مائدة مأدبة، تظم الياس العماري، وعبد الواحد الراضي، وصلاح الدين مزوار، كأننا نعيد مقولات “واتر بوري” عن المصاهرات، والقرابات، وعلاقتها بالسياسة المرتبطة بالود والعداءات بين العائلات السياسية، والزعماء، وطريقة نسج التوافقات.

فالحقل السياسي، ينتج الرموز، والسياسي المحنك هو الذي يلتقط الرموز والإشارة، وربما دور عباس الفاسي وامحمد العنصر، هو التأهيل السياسي لبنكيران، ولا مكان هنا لقواعد محددة ومضبوطة للفعل السياسي، فبنكيران ضل يبحت حتى التعب عن وزير للداخلية يتق فيه الملك ولا يخشاه الاسلامين، إنه السيد “محمد حصاد” القريب من بنسليمان، ومن المرحوم الخطيب، تم عاد بن كيران ليعقب “أنا من اخترت وزراء السيادة “

الكل يتذكر صورة “مصطفى الرميد” في جنازة الناصري، وهو يذرف الدموع، ويقول “الله إخرجها على خير”، هناك تساؤل اساسي يرد مع تعاقب الأحداث والأيام، هل فعلا تم التحفظ على مصطفى الرميد؟ أم أن الأمر يتعلق بنوع من الرفع من الرأسمال الرمزي للرجل أمام قواعد حزبه، خصوصا أن جزء من الواقع كدب تصريحاته، الى رئيس الودادية الحسنية للقضاة.

ورئينا كيف رمى وزراء التعليم والتجهيز والاتصال، بملفات الفساد بين يدي الرميد، ويبدوا أن هذه الملفات ستضل مفتوحة، لا ندري الى متى. الزعماء في المغرب يعرفون كيف يتحولون الى رموز في لحظات محددة، لعبة الرموز هذه تعبر عن نوع من الدهاء في التفاعل مع المخيال السياسي للمغاربة، فالسياسي الجيد هو الذي يحمل رأسمال تاريخي من الصراع، والنزاع مع السلطة، كما انه يحظى بالتبجيل، لدى القواعد كأننا نعيد إحياء “الكاريزمية” المرتبطة بالشرعية التاريخية أكثر من الشرعية الديمقراطية.

لقد صرح “نجيب بوليف” في برنامج ملف للنقاش في “ميدي أن تي في ” أنه جاء لمحاربة الريع، كما رفض بنكيران في بداية حكومته التوقيع على أي قرار تكون له تبعات مالية.

توالي الأحداث مند التصريح الحكومي لبنكيران، تعبر عن نوع من الاحتجاج، فالبرلمانيات، حملنا لافتات في وجه بنكيران، كما اقدم المعطلون على ّإضرام النار في أجسادهم، في حدث غير مسبوق داخل ملحقة وزارة التربية الوطنية.

كتب السوسيولوجي “خالد الناجي” مقالات عن ظاهرة “بنكيران والسبحة” فإذا كان التسبيح، هو ذكر مستمر فهو يفيد مجازا سباحة الفرس عموديا مع التيار، محاولا المقاومة فهل استطاع بنكيران أن يقاوم التيار بعد رحيل عبد الله باها؟

لقد تم سحب مشروع القانون التنظيمي للتعين في المؤسسات الاستراتيجية، واحتدمت مواجه قوية بين بنكيران، ومزوار تعبر عن الوضع الملتبس لحكومته، أما لوبيات الضغط، ألم يصرح بيد الله بأن بنكيران حول مفاوضات تشكيل الحكومة الى سيرك، ورأينا كيف خير “عبد العزيز أفتاتي” الخازن العام للمملكة بين الانضباط أو المغادرة، كنوع من التسخين السياسي، في المرحلة الاولى من عمر الحكومة.

لقد حاول بنكيران مجارات التيار بالاقتراب شريحة أوسع من المواطنين، بما فيهم الفنانين ولازلنا نتذكر رقصاته على ايقاع احواش، كأنه يزيل عنه تهمة معادات الحس الشعبي للمغاربة، فقد عبرت لطيفة أحرار عن فرحها الشديد حين هاتفها بنكيران معبرا لها عن مساندته وتضامنه معها .

هل استطاع النسق السياسي، أن يدمج العدالة والتنمية بدهاء في إطار التوازن والتوافق المعمول به، الا يمكن أن نقول أن الملكية نجحت في نزع أسنان العدالة والتنمية داخل الحكومة.

لقد نشرت “تيل كل” استطلاعا للرأي، يفيد أن حزب بنكيران، سيحصل على 45 في المائة من الاصوات، بالإضافة الى تصويت الفئات المتوسطة والصغرى، وبعد ذلك تضاربت الآراء حول هذه النسبة. السؤال هل فعلا ستصوت الفئات المتوسطة والصغرى على العدالة والتنمية؟ مع العلم أن الوضعية الهشة للفئات المتوسطة تطرح تساؤل سيسيولوجيا عن جدوى الحديث عن طبقات صغرى ومتوسطة بالمغرب، وتموقعها الاجتماعي.

في الانتخابات الثنائية، اظهرت الاستطلاعات أن جزء من شريحة التعليم، الابتدائي، والإعدادي التي كانت تصوت على الاتحاد الاشتراكي وجزء من الكتلة، صوتت على العدالة والتنمية، ويبدو أن معركة الأساتذة المتدربين تدخل في إطار تفكيك جزء من هذه الشريحة والتفاوض معها لضرب العدالة والتنمية.

العدالة والتنمية حزب ينتعش وسط شريحة كبيرة من رجال التعليم، والأطباء، والمهندسين، لكن هل يمكن أن نتحدث عن طبقة متوسطة، بعد الحراك العربي؟

الدولة التسلطية، هي دولة هندسة اجتماعية بامتياز، تضبط التوازنات الاجتماعية والعلاقات بين الشرائح والقوى الصاعدة، فهل فعلا يعبر حزب العدالة والتنمية، عن انغراس حقيقي داخل الطبقة المتوسطة؟ وأين توجد هذه الشريحة مجاليا، وما هو توجهها الساسي؟

الانتخابات الجماعية الأخيرة، افرزت تركيبة فسيفسائية، العدالة والتنمية ليس في الأغلبية ولا في المعارضة، مما جعل تحالفاته مشلولة، الأمر الذي سهل لجم ومحاصرة العدالة والتنمية، داخل المدن الكبرى، من طرف منافسيه الأصالة والمعاصرة، أما البادية فقد عرفت اكتساح حزب يرفع شعار المدنية والحداثة في البادية حيت تسود الأمية وغياب الوعي السياسي، ومجال خصب للإسلام الشعبي، إنها مفارقات السياسة في المغرب.

efd638f1-0350-4cac-92de-cb8a257d59f3

خالد راكز