ملف – الحركة الأمازيغية من الموروث الثقافي إلى الحراك. سؤال الإنتظارات، وأمل التغير

ايـقونـة: اقللوش امحمد /

أضحت “القضية الأمازيغية”، محط حديث غالبية نشطاء الحراك الإجتماعي الذي عرفه المغرب منذ انطلاق حركة 20 فبراير سنة 2011، وحتى الأحزاب الملتحقة بركب الدفاع عن “الموروث الثقافي” و”الخصوصيات الإثنيثقافية” قد خصصت فقرات بكاملها للأمازيغية في مقرراتها الحزبية، وصفحاتها على الجرائد.

وتوالت المبادرة من اليسار واليمين لتقديم أوراق في الموضوع خاصة ما يتعلق بإدراجها ضمن الإصلاحات الدستورية المطالب بها، يتم كل ذلك خارج نقاش علمي متأن لأصول القضية وواقعها الحالي والتصورات المتنافسة في إطارها ومدى قدرتها عن الدفاع عن المطلب، حسب ما يصرح به غالبية المنتسبين للحركة الثقافية الأمازيغية.

أما المتتبع للحراك الأمازيغي في المشهد السياسي المغربي، فيتبادر إلى ذهنه الكثير من التساؤلات عن موقع الأمازيغية داخل نسيج الحراك الإجتماعي الذي عرفه المغرب طيلة عقود من التهميش والإقصاء و التي عاشها فيها المطلب الأمازيغي في عزلة.

لكن مع بروز حركة 20 فبراير برزت أصوات كثيرة تنادي بترسيم الأمازيغية، كضرورة ملحة. فكيف كان تدخل هذه الأصوات؟ وما مدى جدية الإنخراط في الحراك الإجتماعي للحركة الأمازيغية بكل خطوطها، وهل كان يكفي أن ترسم الأمازيغية في دستور قيل عنه الكثير، ومما قيل عنه، أنه غير ديمقراطي على مستوى الشكل والمضمون…الملف التحليلي التالي يغوص في تفاصيل أكثر الأسئلة المقلقة…

مواصلة التهميش عنوان التوجه السياسي الجديد اتجاه المطلب الأمازيغي.

مند انطلاق الحراك الإجتماعي سنة 2011، دخلت الحركة الأمازيغية في دينامية جديدة استثمرتها لرفع سقف مطالبها وطالبت بترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور الجديد، واعتبرت ذلك مطلبا أساسيا لا تراجع عنه. وأفرز هذا المطلب جدلا بين القوى السياسية أفضى إلى اعتبار الأمازيغية لغة رسمية في الدستور الجديد ستعقبه قوانين تنظيمية لم تخرج بعد إلى حيز الوجود، إلى جانب ذلك نص الدستور الجديد على الطابع التعددي لمكونات الهوية المغربية. واعتبرت مكونات أمازيغية أن ذلك شكل إنجازا تاريخيا في مسار الثقافة الأمازيغية.

فهل نحن إزاء احتضان مدلول شعار” الأمازيغية مسؤولية وطنية” الذي تبنته الحركة الأمازيغية في ميثاق أكادير سنة 1990 وتبنته الدولة سنة 2001 ورسمه دستور 2011؟ أم إزاء تكسير الإعتقاد السائد بأن السلطة في شكلها الحالي تكفيها الإرادة السياسية للإعتراف بالوجود الامازيغي شعبا وأرضا ولغة، في اندماج الحركة الأمازيغية مع المجتمع المدني والسياسي في عملية التدافع والضغط لإفراز ما يكفي من الشحنات لإطلاق الشرارة؟

فئة عريضة من المغاربة تعيش في الفقر والإقصاء والتهميش حسب تقارير دولية صادرة مؤخرا، ذلك في ظل خضوع الدولة المغربية التام “إملاءات صندوق النقد الدولي” كما أكد ذلك الخبير الإقتصادي نجيب أقصبي في تصريحاته الأخيرة. وكذا ما أبان عنه أول قانون للمالية الذي أعقب احتجاجات 20 فبراير، من تقلص في الميزانيات الإجتماعية وتدهورت شروط عيش فئات كبيرة من المغاربة، وتزايد البطالة. ليتأكد الإعتقاد لدى نشطاء المجتمع المدني المنخرطين في الحراك الإجتماعي أن البرلمان يواصل نفس النهج خاصة فيما يتعلق بمواصلة تسديد الديون وتقليص النفقات الاجتماعية، وتفويت التعليم والعلاجات الصحية للقطاع الخاص بإلحاح من الدولة، وما صاحب ذلك من تجميد الأجور، حسب بيانات أكبر المركزيات النقابية التي نفذت إضرابات للمطالبة بتفعيل اتفاقيات وتلبية مطالب الطبقة العمالية، إضافة إلى الزيادة في الضرائب غير المباشرة حسب قانون مالية 2015. ما يؤكد أن النهج الرسمي للدولة يسير باتجاه سحب البساط أمام المطلب الأمازيغي أيضا قبل تلبيته.

الأمازيغية.. أصول التهميش السياسي

حسب نشطاء أمازيغ تحدثوا إلى “ ايقونة ” فقد ”سعى الإحتلال الفرنسي منذ تواجده إلى تطبيق ما يصفونه بـ ”سياسة النفاذ الى عمق القبائل واحتوائها ومحاولة مهادنتها لتسهيل عمليات حفظ الأمن وتطبيق المخططات الإستغلالية” وذلك ما أكدته معظم الوثائق التي أنتجتها السوسيولوجيا الكولونيالية. وذلك ”عبر قوانين وبرامج اقتصادية وزراعية استنزفت الخيرات ونزعت الأراضي وفرضت الضرائب وأقرت معاهدات واتفاقيات لتتمكن من الحصول على تنازلات ومكتسبات”.

وتؤكد وثيقة حصلنا عليها ”أنه بعد سنة 1957 تم توريث الملكية الحاكمة بالمغرب نفس الأسلوب الإستعماري، اتجه أكثر لتبني الثقافة ”العربية” واستأثر بامتيازات ”الإستقلال” واستحوذ على غنيمة حرب لم يخضها تاركا المغاربة يعيشون في وضع أشد قسوة من بطش الإستعمار، ومع مرور الزمن لم تعتبر الملكية اللغة الأمازيغية ذات مكانة رئيسية داخل الفكر الوطني بل ركزت من حيث الهوية على الإسلام كدين للدولة والمذهب المالكي كمذهب رسمي ”للدولة الشريفة” وذلك في إشارة إلى أن المؤسسة الملكية وتاريخ المغرب وجهان لعملة واحدة”.

وبالإطلاع على وثائق تاريخية فقد ”استغلت الملكية هذا الوضع لتكريس وزنها السياسي، بحسم ميزان القوى لصالحها وإقصاء أحزاب الحركة الوطنية، التي تحولت إلى المعارضة والصراع من أجل تقاسم السلطات مع الملكية، مع اعتراف كامل بحق هذه الأخيرة في الحكم باعتبارها حامية امتيازاتها المادية”.

الأمازيغية.. ضحية الإقتصاد

أكد مجموعة من النشطاء في صفوف الحركة الأمازيغية ”أن الإستعمار الفرنسي لم يتوانى عبر آلياته المختلفة عن توفير الشروط المناسبة للعائلات الفرنسية وللتجار الأوروبيين لدعم التوسع الاستعماري بشكل أفقد المغرب سيادته”.

الحسن كابوري” ناشط في صفوف الحركة الأمازيغية قال ” لأيقونة” إن تهميش الأمازيغية يعود إلى فترة الإستعمار بشكل مباشر حيث غيرت موازين القوى في شمال إفريقيا عموما، والمغرب على وجه الخصوص. ومن هنا يبدأ الخلل الذي تعيشه الأمازيغية على أرضها. تلت هذه الفترة سلسة أخرى من التهميشات خاصة مع تعريب كافة مؤسسات الدولة وربط شمال إفريقيا بثقافة غريبة عنها لأسباب إيديولوجية محضة”.

لقد نزعت آلاف الأسر القروية من محيطها الإقتصادي والإجتماعي الذي دامت فيه لقرون وأدمجوا في الإقتصاد الرأسمالي العصري”. كما ركز – ليوطي – على دور احترام العادات الدينية والمؤسسات التقليدية للأهالي كي يحظى الإستعمار بفرصة التقدم بشكل سلمي. هذه التغيرات التي أحدثها الإستعمار أدخلت الأمازيغية إلى دائرة الظل، بإقصائها وحرمانها من وسائل التطوير وإكساب المناعة.

وكان الناشط الأمازيغي حسين وعزي قد أكد أن ”الدولة العصرية استعملت أدواتها التحديثية الجبارة من شق الطرق وإنشاء المدن وتعميم المرافق الإدارية والأمنية على كافة أجزاء التراب الوطني؛ كما اعتمدت على المدرسة ووسائل الإعلام وكل وسائل الإنتاج العصرية لتقويض المجتمع التقليدي وثقافته”.

ولتأكيد هذا الأمر يضيف “الحسن كابوري” إن النضالات التي تشهدها “إميضر” منذ سنة 1980 ورأت النور يوم فتح مكتب الأبحاث والتنقيب عن المعادن للرأسمال الحر (الخوصصة) وكان أول اعتصام سنة 1986 واعتصام آخر سنة 1996 أما الإعتصام الحالي فقد بدأ سنة 2011 ومازال مستمرا إلى يومنا الحالي مما يبين أنها معركة تتأسس على إعادة فهم جديد لمفهوم توزيع الثروة خاصة أن الملاك الأصلين وجدوا أنفسهم مقصيين بين الملاك المساهمين وأصحاب الرساميل.

لتستمر بعد ذلك الملكية في احتكار السلطة وفرص الإغتناء الإقتصادي، الذي يجد أساسه في”احتكار القيم” الهوياتية والثقافية، وجعل العروبة والإسلام الركائز الوحيدة لهوية المغرب من خلال قيود على الشعب المغربي وأساسا لصالح نظام اقتصادي واجتماعي يناقض مصالح الغالبية العظمى من المغاربة” يضيف كابوري.

الأمازيغية همشت ثقافيا بالمغرب..

غالبا ما تختزل الديمقراطية من طرف الدولة المغربية عبر الإعلام الرسمي في المساواة على مستوى الجوانب الإقتصادية والسياسية والإجتماعية وتغض الطرف عن الميز والديكتاتورية السائدين في الجانب الثقافي. غير أن الديمقراطية كما هو معروف لا تختزل فقط في تجسيد المساواة وإنما لابد لها من عمق ثقافي.

يقول بوعلي ياسين في كتابه ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الإجتماعي إن ”هذا العمق الثقافي سيتم الإجهاز عليه من خلال إقصاء الهوية واللغة وعدم الإعتراف بها واحتقار حامليها، لأن القائمين على الثقافة الرسمية هم غالبا – أو جميعهم تقريبا – من أبناء الثقافة العربية الرسمية، فيحتقرون عادة ثقافة هؤلاء “العامة الجهلة عديمي الذوق والتهذيب”.

بل وكما أشار إلى ذلك عبد الله الحمودي في “الرهان الثقافي ووهم القطيعة ” حين سأل عن التعارض: ” الأمازيغ الذين كانوا بإفريقيا الشمالية قبل الفتح الإسلامي يمثلون تلت الساكنة المغاربية. فهل يمكن اعتبار التعارض – أمازيغ / عرب – أحد مفاهيم فهم المجتمع الحالي؟ وقد أجاب: “أولا يمكن أن نناقش إلى ما لانهاية الأهمية العددية للأمازيغ يقول البعض أنهم يمثلون الثلث، ويدعي البعض أنهم يمثلون أكثر لكن الغريب هو أن التعارض لم يكن معروفا قبل الإستعمار ولم يطرح بهذه الحدة، عندما كان السلطان يحتاج المتخصصين في المدفعية كان يقصد رجال سوس وحينما كان يبحث عن السفراء فإنه كان يجدهم في أبناء العائلات العربية الكبرى خصوص الأندلسية الأصل بفاس وغيرها”.

دواعي التهميش والإقصاء

يكثر الجدال حول طبيعة اضطهاد الأمازيغ بالمغرب، فمن استعمار إلى تهميش ثقافي إلى احتواء. يعود “الحسن كابوري” مبررا هذا التهميش ويرجعه إلى “غياب تنظيم سياسي يمجد القيم الأمازيغية ويدافع عن حقوق الأمازيغ مما جعل وزن الأمازيغ وكذا مطالبهم غير مسموعة لنجد أنفسنا اليوم كأمازيغ نقوم بتجمعات عرضية دون أي متابع لها أو تطبيق لها على أرض الوقع” غير أن الجلي هو أن هذا الإقصاء يخدم بالضرورة مصالح سياسية ومادية.

فالتركيز على العروبة والإسلام، يقول كابوري، يخدم هدف إضفاء الشرعية والقدسية على الإستفراد بالسلطة. ويدعون أن من ينطقون لسانهم باللغة الفصحى يتمتعون بقدرات تؤهلهم للحكم وتأكد تفوقهم. وتكمن الخلفية الإيديولوجية لهذه الصورة في استعادة نفس المنظور الإستعماري الإقصاء والتهميش والإحتقار وما يؤكد هذا الطرح هو أن الحركة الأمازيغية حينما تتحرك أتناء نومها وتخرج في سباتها ببعض الحراك في بعده الثقافي الهوياتي يعود الحكام وبشكل محتشم للحديث عن الجذور الأمازيغية. كما استحدثت خطاب حقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية… أولا، لاحتواء الحركة الأمازيغية وثانيا لتجديد مشروعيتها. وليست الشعارات (الوحدة العربية، بناء المغرب العربي، الوطنية والوحدة الترابية…) إلا شعارات طنانة وظيفتها إضفاء الشرعية على النظام المغربي وضمان الإجماع حوله وتغطية لدوره الحقيقي.

تدخل محدود في حركة 20 فبراير

بالعودة إلى الوراء قليلا وبعد تأسيس المعهد الملكي للأمازيغية عرفت الحركة طورا من التشتت والجمود والمبادرات الإعتباطية (تأسيس أحزاب، تقديم أرضيات وأرضيات مضادة…) على أمل أن يساهم المعهد ونخبته في تحسين وضعية الأمازيغين. غير أنه لم يطل الأمر حتى تبددت الآمال الإنتظارية خاصة في أوساط العديد من الإطارات، وحتى المعارضين للمعهد، فتبين عدم قدرتهم على تقديم بدائل ملموسة تستطيع حفز الحركة الأمازيغية التي تأثرت بالمناخ السياسي المريض.

ويؤكد لنا “منتصر إثري” ناشط أمازيغي بحركة 20 فبراير وحركة “ثوادا” أن سياسة الإنتظار التي طبعت توجه المعهد الملكي طيلة سنوات تأسيسه، ساهمت في ضعف مساهمة “الحركة الامازيغية” في نضال حركة 20 فبراير الشيء الذي له تأثيرات سلبية، مع الأخذ بعين الإعتبار ما تتعرض له هذه الحركة كالتحفظ على رفع الأعلام الأمازيغية والشعارات باللغة الامازيغية. ناهيك عن العداء الذي يكنه العديد من التيارات السياسية المساهمة في حركة 20 فبراير.

مع هذا لا يجب أن نغفل أن الحركة الأمازيغية لم تخبر بالأساس تقاليد “النضال الجماهيري” لأنها أفنت عقودا من عمرها في العمل الثقافي ومراكمة الكوادر في الوقت الذي لجئت فيه الدولة إلى عداء التيارات القومية بإسلامييها وعلمانييها. مما دفع الحركة إلى الإقتصار على بعث مذكرات مطلبية (على غرار ما قامت به الكتلة الليبرالية في إطار النضال من أجل تعديل الدستور بداية التسعينات). متغاضية بذلك عن النضالات الجارية، عازلة المطلب الأمازيغي عن المطالب الديمقراطية الأخرى الاجتماعية والاقتصادية.

التعبئة في الشوارع، نقل النضال إلى الأحياء الشعبية، مواجهة جهاز الدولة بدل استجدائه؛ الوقفات والتظاهرات… طرائق نضال لم تخبرها الحركة بل رفضتها. مؤكدة فقط على النضال وفق “القوانين الجاري بها العمل” وبذلك لم تنغرس الحركة الأمازيغية وسط قطاعات شعبية غير قطاعات المثقفين (طلبة، محاميين، اساتذة جامعيين…)

كل ذلك حد من إسهام “الحركة الأمازيغية” في حركة 20 فبراير التي رفعت مطلب الإعتراف القانوني بالأمازيغية في إطار ملف مطلبي عام يضم إضافة إلى ذلك مطالب ديمقراطية ومطالب اجتماعية واقتصادية. مثلها في ذلك مثل انتفاضة الربيع الأمازيغي الثانية في 2001 حيث ورد المطلب الثقافي واللغوي في إطار برنامج عام لخصته “أرضية لقصور” .

أما في المغرب الذي رفض فيه النظام حتى سماع مطلب اسمه “دسترة اللغة الأمازيغية”، كانت تظاهرات شباب حركة 20 فبراير كافية لدفع النظام إلى تضمين دسترة الهوية الأمازيغية في خطاب 09 مارس، وترسيمها في الدستور.

إن المشاركة المحدودة للحركة الأمازيغية بيّنت بالملموس أنه لم تتحول بعد الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية إلى قضية “شعب”، ”تناضل ضد كل أوجه الإضطهاد والإستغلال” مع أخد بعين الإعتبار أن الخوف هو من دفع الدولة إلى دسترة الأمازيغية لغة رسمية في دستور2011.