الجماعة السلالية بأولاد بوبكر إقليم بني ملال: حكاية نضال من أجل أرض مغتصبة

 حسن اكرويض

أقدمت السلطات مساء أمس بأولاد مبارك اقليم بني ملال باعتقل خمسة شبان على اثر إحتجاجهم رفقة عائلاتهم من أجل استرجاع اراضيهم المغتصبة من طرف مافيا العقار والتي تصل الى 1800 هكتار

الجماعة السلالية بأولاد بوبكر إقليم بني ملال:  حكاية نضال من أجل أرض مغتصبة

ظلت الجماعة السلالية لأولاد بوبكر التابعة للجماعة القروية لأولاد أكناو، قيادة أولاد أمبارك إقليم بني ملال، تستغل أراضها الجماعية أباً عن جد تبعاً لما جرت به التقاليد  القبلية المتمثلة في التسيير الجماعي لأراضي القبيلة وتحصينها من المستعمر الدي يتربص  بها مند وطأت اقدامه سهول تادلة الاطلس ،  فقد كان سكان هده المنطقة  يشتغلون في الرعي والزراعة بصفة دائمة ومستمرة وبدون أي منازع  مكافحين الاستعمار الفرنسي بكل قوة دون ان يبسط سيطرته  على تلك الأراضي  الخصبة ، وكانت أطماع المستعمر الفرنسي خلال سنوات الثلاثينات  تتجلى في الضرورة الملحة على بسط نفوده بتلك الأراضي الشاسعة  قصد استغلالها في زراعة  الشمندر السكري (1)

ان تاريخ المنطقة يشهد بمقاومتها للأقطاعين الكبار  الباشوات المستبدين الدين تم تنصيبهم من طرف المخزن، خلال الثلاثينات  من القرن قام المخزن  بتنصيب أحد باشوات الاستعمار المدعوا الباشا بوجمعة المسفيوي على منطقة بني ملال و أحوازها، وبعد أن بسط الباشا المذكور سلطته ونفوذه على المنطقة بمباركة سلطات الاستعمار آنذاك، أثارت اهتمامه أراضي جموع أولاد بوبكر التي كانت من أخصب الأراضي الزراعية، إضافة إلى كونها من أقدم المناطق السقوية إذ كانت تسقى بـ “واد داي” النابع قرب مدينة بني ملال، ونظراً لِما رأى الباشا المذكور لهذه الأراضي من مستقبل زاهر، شرع في الاستيلاء عليها شيئاً فشيئاً مستعملا جميع الوسائل من تحايل وترهيب واعتقال وتعذيب وما إلى ذلك من وسائل القهر والجبروت حتى أتى عليها بأكملها.(2)

بعد صراع مرير لم تستطيع السلطات الاستعمارية  استقطاب تلك القبائل الثائرة  فأصدرت بتاريخ 19 يوليوز 1937 بالجريدة الرسمية رقم 1299 مؤرخة في 17 شتنبر 1937 الظهير الشريف الذي منح أراضي المخزن لقبيلة آيت الربع التي تنتمي إليها قبيلة أولاد بوبكر، وإثر ذلك قررت السلطات المختصة إنجاز عملية التحديد الإداري للأراضي الممنوحة قصد ضبط وضعيتها، إلا أن الباشا بوجمعة المسفيوي، حماية منه لمصالحه وضمانا لاستمرار استغلاله للأراضي التي استولى عليها، تدخل لدى سلطات الحماية وبتواطؤ بين الطرفين، تم إلغاء قرار التحديد هذا بالنسبة لأراضي أولاد بوبكر سنة 1939، وبذلك استثنيت أراضي أولاد بوبكر من عملية التحديد الإداري من بين كافة الجماعات السلالية المجاورة، وبالتالي تحقق للباشا المذكور مبتغاه ولأبنائه المقربين من سلطة المخزن وانتقاما لتلك القبيلة المعارضة نتيجة تعاونه مع المستعمر.(3).

ومع مطلع الخمسينات من القرن الماضي الذي صادف بناء “سد بن الويدان” الذي يسقي اليوم المنطقة، تقرر إنجاز عملية ضم الأراضي بالمنطقة المصطلح عليها لدى المصالح الطبوغرافية بـ “Secetur Beni Mella” هذا الضم الذي ظل غير مصادق عليه الى يومنا هذا ومرة أخرى،  استطاع الباشا بوجمعة  المسفوي  ان يغتنم فرصة  ضم جل أراضي جموع أولاد بوبكر باسمه الخاص ، في فترة من أكلح فترات تاريخ المغرب المعاصر، كانت فيه الجماعة السلالية لأولاد بوبكر- تعيش الويلات من فقر مدقع وحرمان،  واقصاء ممنهج من ارضهم التي ضحوا من اجلها وحصنوها من كل الاطماع.

بعد وفاة الباشا بوجمعة المسفيوي تقدم ورثته من بعده بمطالب تحفيظ الأراضي الجماعية المغتصبة بناء على رسم تركة تقسموها فيما بينهم، كما تقدم بعض أعوان الباشا الهالك كذلك بمطالبهم إضافة إلى ثلاثة معمرين فرنسيين كانوا يستغلون قطعا من الأراضي المذكورة (وحددت المساحة الإجمالية لهذه الأراضي بما يناهز 1800 هكتار)، وتظهر هذه المعلومات جليا من خلال لائحة مطالب التحفيظ المستخرجة من المحافظة العقارية ببني ملال.

وبعد  انسحاب المعمرين  الفرنسين من سهول تادلة وبني ملال ، تقدمت الجماعة السلالية في شخص نوابها آنذاك بتعرض ضد مسطرة تحفيظ المطالب المذكورة سنة 1958، كما قام نواب الجماعة بتقديم العديد من الشكايات في هذا الصدد إلى السلطات الإقليمية والمركزية وقاموا بزيارة بعض المصالح الإدارية وقابلوا في هذا الشأن جميع  المسؤولين على إقليم بني ملال دون ان ينظر احدهم الى حقهم في الأراضي السلالية ، وإبتداءاً من سنة 1999 جددت الجماعة السلالية قرر أبناء قبيلة أولاد بوبكر ان يحتجوا ضد السلطات في ملف شائك يرجع الى الفترة الاستعمارية وتعرضوا انداك لقوة وجبروت ادريس البصري ومنعهم من أي تحرك حول هده الأرض التي لازالت مستعمرة من طرف المعمرين الجدد اتباع “الدولة المخزنية ” .

 وبعد توسع رقعة نضالات النساء السلاليات على المستوى الوطني  مند بداية  سنة 2000، نظمت النساء السلاليات بأولاد بوبكر وقفات احتجاجية أمام عمالة بني ملال وبعد هدا الضغط والصمود قررت مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية أن تـُوْفد لجنتين على التوالي إلى عين المكان، الأولى سنة 2000 والثانية سنة 2001 حيث تم استدعاء طرفي النزاع، وبعد التقصي تأكد أن المستغلين الحاليين وكذا طالبي التحفيظ الأصليين لا يتوفرون على الحجج القانونية التي تخول لهم استغلال الأراضي الجماعية التي بين أيدهم، هذا مع العلم أن جل طالبي التحفيظ ليسوا هم الذين يستغلون الأرض حالياً، نظراً لأن عدداً من ورثة الباشا بوجمعة قد فوتوا الأرض لخواص أجانب عن الجماعة السلالية مما ترتب عنه تفويت بعض العقارات عدة مرات من يد إلى أخرى بطرق  ملتوية  الى دوي النفود.

وبطلب من الجماعة السلالية بأولاد بوبكر )*(راسلت مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية عمالة بني ملال قصد مباشرة إنجاز عملية التحديد الإداري لأراضي جموع أولاد بوبكر كما سبق أن أنجز لفائدة جميع الجماعات السلالية المجاورة، حتى يتسنى للقضاء البث في هذه النازلة، الا أن الولاة المتوالين على جهة بني ملال طبقوا سياسة اسلافهم المعمرين  ضد سكان المنطقة ،وتبين لممثلي الجماعة السلالية  أن معركتهم لن تتوقف عند  هدا الحد، بل تستلزم  منهم نضال  مرير وهدا ما جعلهم ينظمون انفسهم في تنسيقية  الجماعة السلالية قصد  النضال والتفاوض ، لانهم مند سنة 2010 يتعرضون للتنكيل والقمع.

إن ما يثير الاستغراب في هدا الملف الشائك أن الجماعة القروية التي تنتمي إليها الجماعة السلالية لأولاد بوبكر من أفقر الجماعات بإقليم بني ملال رغم غنى المنطقة بفلاحتها، ذلك أن الأقلية التي تحتكر الأرض وتجري صفقات عقارية لتسليع ارض جماعة أولاد امبارك بأكملها وتفويتها لماصي دماء الفقراء العزل التي يعيش شباب في عطالة طويلة الأمد.

صعدت جماعة أولاد بوبكر من نضالها الميداني ونظمت ازيد من 20 وقفة احتجاجية، كما نظموا مسيرات احتجاجية، وتعروا لحصار امني يوم السبت 8 نونبر 2014 بسبب اعتصام  الكرامة  على مشارف الطريق الوطنية بين أولاد امبارك وبني ملال ضدا على اغتصاب و احتلال أرضيهم من طرف 22 أسرة من ذوي النفوذ، ويوم 17 عشت 2015 احتج ساكنة أولاد بوبكر من جديد ضد مافيا العقار التي اغتصبت ارضهم وحرمتهم من رغيف ارضهم ،وتعرضوا من جديد لأبشع صور التعذيب في مخافر الدرك الملكي وتم اعتقال خمسة شبان من خيرات أبناء المنطقة الدين رفعوا شعار ” كرامة حرية عدالة اجتماعية .. الأرض لنا وليست لكم”   .

ورغم زوال الاستعمار القديم فإن الجماعة السلالية أولاد بوبكر لازالت تعيش في أيام استعمار الباشوات الكبار في ظل نظام القواد الجدد المستبدين، لم تتسلم القبيلة أرضها بعد كما انها لم تستسلم لغطرسة الدولة المستبدة التي لا تحترم حقوق مواطنيها، ليجدوا أنفسهم غداة الاستقلال الشكلي   المليء بالشعارات الكاذبة تحت سقف السيطرة والاستحواذ على ارض اجدادهم التي ساقوها بدمائهم وكانوا في طليعة من حارب الاستعمار.

——————

1 (تاريخ قبيلة بني ملال -1854 – 1916 – ( جوانب من تاريخ دير الأطلس المتوسط ومنطقة تادلا ). تأليف محمد بن البشير بوسلام سنة النشر 1991.

 2 ( مصطفى عربوش ، من تاريخ منطقة إقليم تادلة وبني ملال، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء،

3 ( نفس المرجع .

* (هي ملكية للجماعات السلالية وتتميز هذه الأراضي بكونها غير قابلة للتقادم ولا للحجز ولا للبيع (باستثناء الدولة، الجماعات المحلية، المؤسسات العمومية و الجماعات السلالية التي يمكنها اقتناء هذه الأراضي )، وتقدر المساحة الإجمالية لهذه الأراضي ب15 مليون هكتار تكون الأراضي الرعوية نسبة تفوق 85% تشغل بصفة جماعية من طرف ذوي الحقوق وتوظف أهم المساحات المتبقية في النشاط الفلاحي . ويتم توزيع حق الانتفاع من الأراضي الجماعية الفلاحية بين ذوي الحقوق من طرف جمعية المندوبين أو النواب طبقا للأعراف والعادات وتعليمات الوصاية.