تجربة تضامن الطلاب الفرنسيين مع الثورة الجزائرية

بقلم: حسن اكرويض

شكل الإتحاد الوطني لطلاب فرنسا إطارا اجتماعيا ونقابيا من نوع خاص، تنظمت فيه جميع الفئات و الحساسيات مهما كانت اتجاهها، و ما فتئ هذا الاتحاد يزداد توسعا، جغرافيا وعدديا، فلم يكن يتأثر بظروف الحرب الدائرة في الجزائر، حيث انتقل عدد الطلبة من 140ألف في خريف 1954 إلى 252 ألف خلال الدخول الجامعي لسنة 1962.

و يرى المؤرخون لتلك الفترة التاريخية، أن هذا الاتحاد الطلابي كان عبارة عن مؤسسة ديمقراطية حقيقية، خاصة في مجال العمل الجمعوي والنقابي وحتى السياسي، و ساعده في ذلك التطور العددي و النوعي والتنظيمي الذي تميز به أنداك، لأن أغلب التخصصات أصبحت موجودة داخل الجامعة بحجم متكافئ سواء في الحقوق أو الآداب أو الطب أو باقي العلوم الأخرى، حيث كان عادة طلبة الحقوق هم الأكثر عددا وقد ساعد هذا التطور النوعي على دعم التأطير فتكونت شبكة هامة من الجمعيات العامة على مستوى كل مدينة جامعية في الضواحي و على مستوى كل كلية و مدرسة عليا في باريس،وهكذا فإن أغلب الطلبة الفرنسيين كانوا منخرطون في الإتحاد خلال الثورة الجزائرية.(1)

و بهذا الشكل أصبح إتحاد طلبة فرنسا يمثل جناحا سياسيا متكاملا في جل مناطق فرنسا حيث يمتد من اليسار الثوري إلى اليمين المتطرف. لكن المشكلة الجزائرية لم تؤد إلى تسييس الاتحاد خارجيا بسبب وجود قطبية داخلية سابقا وضعت اليسار في مواجهة اليمين إضافة إلى ضعف التنظيمات السياسية داخل الإتحاد باستثناء الشيوعيين، كما أن أغلب التشكيلات السياسية كانت تريد إبقاء الاتحاد بمنأى عن الصراعات السياسية و إطارا للوحدة و التعاون، باعتباره حركة جماهيرية شاملة. و يعتبر هذا الوضع تتويجا للدور الذي تقوم به شبيبة الطلبة المسيحيين (JEC ) داخل الثانويات، في إعداد الطلبة قبل دخولهم الجامعة، و هكذا فإن الإعداد لهذه المرحلة كان قاعديا و أساسيا.(2)

و يمكننا القول أن سيادة الطرح النقابوي داخل اتحاد طلبة فرنسا ووجود أنصار الجزائر الفرنسية أدى إلى تأخر تأثير الثورة الجزائرية على إتحاد الطلبة الفرنسيين، التي بدأ الاهتمام بها بشكل فردي خاصة عند بعض قادته وبعض الشباب الماركسيين، ولم يستمر التهرب طويلا من قضايا الاستعمار لأن الإتحاد وجد نفسه مجبرا على التفاعل مع المشاكل الدراسية في المستعمرات و التعاون مع طلبة المستعمرات ثم الاعتراف بالجمعيات الطلابية وفروع الاتحادات الطلابية (فرع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بباريس.

وكانت علاقة طلبة الجزائر باتحاد طلبة فرنسا علاقة تعاون ضد الاستعمار وضد الحروب التي تشنها فرنسا في المستعمرات.انضمت فئة المثقفين (الفلاسفة والمفكرين..)­)*( الفرنسيين الذين ناضلوا ضمن جبهة رفض الحرب في الجزائر وضرورة وضع حد لها، ونجد عددا كبيرا منهم قد أفصح عن رأيه وعمل على إسماع صوته بطريقة فردية أو جماعية، ويمكن تصنيف هؤلاء ضمن اليسار الفرنسي وخاصة الشيوعيين الذين خالفوا نهج الحزب الشيوعي الفرنسيالستالينيالذي لم تكن مواقفه صريحة اتجاه القضية الجزائرية.

أمام الأزمات التي مرت بها الامبريالية الفرنسية وجد اتحاد طلبة فرنسا نفسه في سنة 1960 مقحما في القضية الجزائرية، ليؤدي دوره الوطني أمام ضعف التنظيمات السياسية التي تاهت في خضم الأزمة، و بكل جرأة أعلن في جوان 1960 عن إعادة الاتصال بالطلبة الجزائريين وبالاتحاد العام لطلبة المسلمين الجزائريين( UGEMA) فكان ذلك حدثا هاما على الساحة الفرنسية لأنه يطرح أكثر من تساؤل، و الحدث الثاني الذي صنعه الاتحاد كان تنظيمه لمظاهرات باريس يوم 27 أكتوبر 1960 ضد استمرار الحرب في الجزائر.

و أصبح الاتحاد منذ 1960 في طليعة و مقدمة معركة رفض الحرب و ضرورة توقيفها و لذلك أيد و ساند و دعم كل الحركات الرافضة للحرب مهما كان شكلها و مهما كانت جهتها في فرنسا خاصة حركة الشباب الفرنسي الرافضة للتجنيد.

و هكذا دخل الاتحاد ضمن جبهة رفض الحرب فكان بمثابة فيدرالية طلابية ضخمة شأنها شأن النقابات العمالية الكبرى، فكان نشاطه في المراحل اللاحقة انتقاما من المواقف الرجعية المتحفظة خلال السنوات الماضية فأصبح يدعم و يساند الشبكات الداعمة لجبهة التحرير، و يشارك في تنظيم التظاهرات و المظاهرات المناهضة للحرب و المؤيدة لاستقلال الشعب الجزائري.

إن الطابع الجماهيري لاتحاد طلبة فرنسا هو الذي خدم جزءا من الثورة الجزائرية و قضية الشعب الجزائري بفضل اتساع دائرة تأثيره في المجتمع الفرنسي، باعتباره تجمعا تنظيميا لطلبة فرنسا على اختلاف مذاهبهم و مستوياتهم الاجتماعية و أصولهم العرقية وغيرها.

—————————————

(1)Alain Monchablon, syndicalisme étudiant et générations algérienne, in La guerre d’Algérie et les intellectuels Français, p 176

(2)عبد المجيد عمراني، النخبة الفرنسية المثقفة والثورة الجزائرية 1954 1962 ، مطبعة الشهاب 1995

(*­):و من هؤلاء المثقفين، نذكر على سبيل المثال لا الحصر جان بول سارتر، وشارل أندري جوليان، و سيمون دي بوفوار، و جونسون و غيرهم.