قراءة في كتاب ” الجسد والصورة والمقدس في الإسلام”1 فريد الزاهي

مــراد الـمـخــنــتر

تمهيد:

يتميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى بالثقافة، هذا التميز ليس فطريا في الإنسان، بل هو مكتسب عبر آلاف السنين من التطور، انفصل فيها الإنسان عن الطور الطبيعي وانتقل الطور الثقافي، ونعني بالثقافة هنا كل ما هو مغاير للطبيعة المحض، ونتبنى تعريف (كلود ليفي ستروس) حيث يعرفها بأنها هي ما يضيفه الإنسان إلى الطبيعة، أو بالأحرى الطريقة التي ينظم بها ويؤول المعطيات الطبيعية1، هذا التقابل بين الطبيعة والثقافة يختلف من مجتمع إلى آخر، إذ لكل مجتمع إضافته إلى الطبيعة المختلفة عن ثقافة الآخر. ويطلق الفلاسفة على النظرة الثقافية للطبيعة مفهوم النظرة إلى العالم“.

حسب التعريف السابق للثقافة، يمكننا القول إن الإنسان يعيش في عوالم اصطنعها، وإن لكل تجربة مجتمعية عالم مختلف. والنتيجة الثانية للتعريف السابق هي أن رؤيتنا للعالم ليست معطىً محايدا، بل هي مجرد تمثل، ليست لنا أية ضمانة في تطابقه مع العالم الحقيقي.

إذن ينقسم الإنسان إلى جانب ثقافي، ينتمي إلى العقل، وجانب طبيعي، ينتمي إلى الجسد. غير أن الجسد يكتسب تعريفه من العقلي والثقافي، وإطلالة بسيطة على مفهوم الجسد في مختلف الثقافات تبين أن تعريفها لهذا المفهوم يختلف اختلافا كبيرا، رغم أن الجسد هو نفسه عند جميع البشر.

من هنا أهمية الكتاب الذي نحاول تقديم قراءة حوله، أولا: يكتسي الكتاب أهمية قصوى لأنه يدرس الجسد، وثانيا: لأنه يدرسه في الثقافة العربية الإسلامية، فهذا الموضوع يدخل ضمن المدنس أو اللامفكر فيه، وهذا لا يشمل الثقافة العربية الكلاسيكية فقط، بل يشمل أيضا الثقافة العربية المعاصرة. وإذا شئنا المقارنة يمكن القول إن المسلمين القدامى كانوا أكثر جرأة، إذ لم يتحرجوا –نسبيافي الحديث عن الجسد، عكس الثقافة المعاصرة التي دفعت به إلى تخوم المعرفة. من هنا فرادة هذا الكتاب.

يشكل البحث في الجسد مغامرة، فقد يقع الكاتب ضحية فتنة موضوعه، والمغامرة بالأساس رهان يمكن أن يكون رابحا أو خاسرا، وسنصادر منذ البداية ونقول إن رهان الكاتب كلل بالنجاح بالمقارنة مع الأهداف التي حددها لبحثه.

  1. منطلقات وفرضيات:

يحدد الكاتب منذ البداية ثلاثة فرضيات ستؤطر أطروحته، وهي كالتالي:

  1. الجسد محدد أساسي تنهض عليه الممارسة الإيمانية للمسلم، وأن الجسد النبوي غدا نموذجا قيميا وسلوكيا في هذا المجال لا يقل قيمة عن النموذج الخطابي النبوي في بناء الصورة العامة لإيمانية المسلم.

  2. أن الجسد الإسلامي جسد متخيل بقدر ما هو واقعي. إنه جسد ثقافي يتبلور في صلب تمظهرات المقدس. بل إنه أحد تمظهراته الأساسية سواء في خاصيته الجمالية أو الجنسية أو الرمزية.

  3. أن هذا الطابع المقدس والمتخيل قد تجدر ثقافيا فغدا يبلور نماذجه الجمالية بحيث بدأ ينزاح مع تطور الثقافة العربية الإسلامية عن المقدس الديني بالتدرج ليجد في المتخيل الاجتماعي والبلاغي والأدبي حرية تطوره2.

ظل الجسد في الثقافة العربية مكبوتها أو موضوعها المهمش والمقنع، وحتى إذا تم تناوله يبقى طارئا وعارضا3، ينطبق هذا القول أيضا على الثقافة العربية المعاصرة، ولا يسلم من هذا حتى المثقفون، إذ أن العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي بالإضافة إلى تخلفها، تحمل حمولة إديولوجية وسياسية تبعدها عن الموضوعية.

ينطلق الباحثون في الأونثروبلوجيا من التقسيم الكلاسيكي الذي يضع المقدس في مقابل الدنيوي، مثل مرسيا إلياد ورجي كيوا، غير أن الكاتب يختلف مع هذا التقسيم النظري، فالهوة التي بين المقدس والدنيوي، ليست ذات طابع عمومي وكوني، بل هي مجرد مظهر جهوي، فالإسلام يشمل الدين والدنيا4. كما أن الفاصل بين المقدس والدنيوي أو بين الحرام والحلال في الثقافة الإسلامية جد ملتبس، وهنا تحضرنا قولة عمر بن الخطاب كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ندع تسع أعشار الحلال خشية الوقوع في الحرام“. بالإضافة إلى أن المسافة الفارقة بينهما)المقدس والدنيوي) متدرجة، فبين الحرام والحلال نجد المستحب والمكروه والمباحمن هنا محدودية المقاربة الأونثروبلوجية في صيغتها الكلاسيكية.

يقسم الكاتب مفهوم الجسد بحسب معطيات اللغة العربية إلى ثلاثة أقسام: الجسم و البدن والجسد ويقترح النمذجة المفهومية التالية:

  1. الجسم: ويعني به الجسد الموضوعي الذي يتألف مع كل الأجسام سواء كانت حيوانية أو جرمية. إنه نفس المفهوم الذي ظل متداولا في الثقافة الكلاسيكيةالعربية الإسلامية، والذي شكل ثيمة الموضوع المعرفي للفكر والفلسفة الإسلامية.

  2. البدن: وهو الجسد اليومي الذي يخضع لقوانين وسنن التواصل الإجتماعي. إنه المؤسسة الجسديةإذا صح القولالتي تشكل موضوع الدين والمقدس، والذي تمت موضعته بحيث أصبح جسدا مشتركا بين كل الناس. فهو صورتهم المميزة وعماد أفعالهم اليومية الوظيفية. ومن ثم فهو جسد وظيفي يخدم أهداف خارجية عن مقومات الشخصية.

  3. الجسد: وهو يقابل لدى ريكور مفهوم chair ولدى ريشر مفهوم leib إنه الجسد الشخصي الذي يشكل الوحدة الأونطولوجية التي تسم وجود الكائن في العالم. ومن ثمة فهو يشكل هدفية الوجود الذاتي للإنسان. هذا الطابع لا يخلو من علاقات ذات

    4. ميسم ثقافي ورمزي وتعبيري يعيد بها الجسد صياغة العالم، ومنحه خصوصيات جديدة5.

my-icone

لوحة للفنان التشكيلي: محمد حميدي 1984

 

 

 

  1. الإسلام والجسد والمقدس:

يتميز الإسلام عن باقي الديانات بشموليته لجل تفاصيل الحياة، فجل لحظات اليقظة مخترقة بالمقدس، بحيث أن أي فعل يأتي المسلم مقنن بطقس من الطقوس، سواء في آداب العبادة أو آداب السلوك والمعاملات، وهذا يؤكد لنا أن المقدس والدنيوي في الإسلام متمفصلان لا يمكن الفصل بينهما. فقد اهتم الإسلام بتقنين جل حركات الجسد، فهو بحسب قول الكاتب جسد من أجل المقدس6. وعليه ينقسم الجسد في الإسلام إلى ثلاثة جوانب:

  1. الجسد اليومي الديني: الذي يمارس مجموعة من الشعائر العبادية مصحوبة بعطايا مصكوكة لهذا الغرض، وهذه الشعائر تشكل إيقاعا جسديا واجتماعيا ودينيا قدسيا يتحول الجسد بمقتضاه إلى صورة نمطية تستجيب بشكل منظم لإيقاع المقدس الذي يتبلور في جزئيات الدنيوي.

  2. الجسد اليومي الإجتماعي: فإذا كان الجسد اليومي الديني خاضعا لقيم الصلاة والصيام والبسملة والحوقلة..إلخ. فإن المعاملات التي تميزه هنا تحول الحياة الإجتماعية إلى مختبر دائم لممارسة قدسية العلاقات الإجتماعية. إن الجسد هنا يكمل الشعائر المتصلة بالعبادات ويؤطرها بحركات معينة للجلوس والأكل والنظر ودخول الحمام إلخ. ليصبح الجسد الإجتماعي رجعا للجسد العبادي.

  3. الجسد الشخصي : الذي يفقد طابعه الذاتي باندماجه المباشر في سمفونية القدسي التي يصنفها الإسلام على الوجود الإجتماعي. إن الأمر يتعلق هنا بالعلاقة الجنسية ومقاصدها الثوابية، وأوضاعها ومحللها ومحرمها ومكروهها. وكذا بأوضاع التبول والنظافة وكل ما يتعلق بالجسد في حميميته. ومع أن الإسلام قد تخلص من خطوط وجود جسد له استقلاله الفردي، إلا أنه ترك له هامشا كبيرا من الغموض. بحيث لم يتم تحديد سوى التخوم التي يتحرك في إطار مشروعيتها الدينية. إن هذا الجسد ليس سوى الصورة التي تعكس بشفافية المسوغات الإيمانية للمسلم محددها في علاقته بذاته7.

بالإضافة إلى التقسيمات السابقة الذكر، فإن الجسد الإسلامي ينقسم إلى ثنائية النفس والجسد، الأولى تعبر عن الروحي المتعالي، والثانية تعبر عن المادي الدنيوي. والنفس هي التي تلعب دور القيادة للجسد، من هنا تبعيته لها وانقياده، ففي الإسلام لا نلوم الجسد على أفعاله وإنما نلوم النفس.

( يــتـبـع )

————————————–

1 la culture est ce que l’homme ajoute a la nature ou plutôt, la façon dont il organise et interprète les données de la nature”. Régis boyer, anthropologie du sacré, mentha,1992. P17.

2 الجسد والصورة والمقدس في الإسلام، ص 10.

3 نفسه، ص 20.

4 نفسه، ص 57.

5 نفسه، ص 32.

6 نفسه، ص 41.

7 نفسه، ص 40.