المغرب يسجل عجز تجاريا هائلا في جميع اتفاقيات التبادل الحر التي وقعها

في استجواب لنجيب اقصبي مع جريدة الاخبار المالية يقدم الخبير الإقتصادي والأستاذ الجامعي تفسيرات حول العجز التجاري الهائل في جميع اتفاقيات التبادل الحر التي وقعها المغرب.تعريب جمعية أطاك المغرب.

جريدة الأخبار المالية الأسبوعية: جميع اتفاقيات التبادل الحر التي أبرمها المغرب تسجل رصيدا سلبيا بالغا. ألا يبدو لك الأمر مع ذلك مفاجئا؟

نجيب أقصبي: لا، لم يفاجئني ذلك. هذا إنما يؤكد ما كنت أقوله منذ سنوات بمعية اقتصاديين آخرين. فمنذ بداية سنوات 2000، اندفع المغرب كليا في توقيع اتفاقيات التبادل الحر، وما فتأنا نؤكد على شرح بديهية أن الاقتصاد المغربي لم يكن مهيئا، ولم يتمتأهيله، ولم يتلق الإصلاحات الضرورية لتمكينه من استفادة طفيفة من التبادل الحر.

إن اتفاقية التجارة الحرة هي آلية تعمل في اتجاهين: تفتح أسواقك الخاصة في وجه شركائك، وبالمقابل يفتح لك هؤلاء الأخيرين أسواقهم. ومن الواضح أنك لن تستفيد من التبادل إذا لم يكن لديك صادرات مربحة، بمعنى أن تتوفر على عرض تصديري متنوع كفاية وتنافسي لكي تربح من فتح أسواق شركائك. وهذا ليس هو حال المغرب للأسف.

جريدة الأخبار المالية الأسبوعية: استعجلنا الأمر إذن؟

نجيب أقصبي: طبعا. كان يجب القيام بإصلاحات “التأهيل” قبل توقيع اتفاقيات التبادل الحر في سنوات 1990. بعد توقيع الاتفاقية الأولى مع الاتحاد الأوروبي في سنة 1996، وضع الاتحاد الأوروبي لهذا الغرض برنامج “التأهيل” موله عبر برنامج ميدا. إلا أن حكومات تلك الحقبة فوتت الفرصة، مما أدى إلى فشل جميع البرامج التي وضعت آنذاك. ورغم ذلك، واصل المغرب مسارا عشوائيا وانتحاريا بإبرام سلسلة متتالية من اتفاقيات التبادل الحر مع البلدان العربية، ومع الولايات المتحدة الأمريكية، ومع تركيا، ومع الثلاثي تونسمصرالأردن، ومع بلدان الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، إلخ. وبهذا نهج سياسة النعامة وأجل إصلاحات “التأهيل” إلى أجل غير مسمى. وسرعان ما أدى ثمن ذلك والذي تجسد في النتائج. فبعد مرور عشر سنوات، وهي الفترة التي وقع فيها المغرب أغلب اتفاقيات التبادل الحر، صار رصيده سلبيا مع جميع شركائه في التبادل الحر الذين استفادوا بالمقابل بشكل كبير. تبين لنا الأرقام التي صدرت عن التقرير الأخير لمكتب الصرف بأن جزء المبادلات التجارية التي حققها المغرب في إطار اتفاقيات التبادل الحر، وإن كان مازال يمثل تلث المبادلات الإجمالية (32% للواردات و29% للصادرات)، يعاني من العجز إزاء جميع شركائه. وهذا العجز كبير إزاء الأكثر تقدما منهم (الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأمريكية)، وأيضا إزاء من هم أقل تطورا (حتى إزاء الأردن الذي كان الميزان التجاري إزائه فائضا خلال السنوات القليلة الماضية).

جريدة الأخبار المالية الأسبوعية: يصعب علينا إذن أن نفهم الدافع الذي أدى إلى توقيع جميع هذه الاتفاقيات. هل هي اعتبارات أيديولوجية؟ أو إكراها من قبل المؤسسات الدولية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، إلخ)؟

نجيب أقصبي: يمكن أن أسرد أربع عوامل كفيلة بشرح هذه الوضعية التي تحدث أضرارا بالغة.

أولا، هناك غباوة أيديولوجية. فمنذ سنوات 1990، دافع المغرب بشدة عن اتفاقيات التبادل الحر وبدرجة بالغة حتى أكثر من النيوليبراليين. فقد أدى به حرصه الكبير ليكون تلميذا نجيبا للبنك العالمي وصندوق النقد الدولي إلى معانقة العبث، وصار يقوم بأكثر مما يطلبون منه.

ثانيا، هناك طبعا رهانات قوية في المعادلة، متعلقة بلوبيات كبيرة جدا “للتصدير والاستيراد” التي تستفيد من فتح الأسواق وبنمو زائد “لاقتصاد تجاري” ووسيط يذر أرباحا سهلة وكبيرة. وما داموا عاجزين عن بناء اقتصاد “حقيقي” بقطاعات منتجة وتنافسية، تفضل هذه اللوبيات أن تدفع بعجلة التبادل الحر إلى الأمام حيث يسهل عليهم وبمجهود أقل تحقيق أقصى هامش ربح.

ثالثا، يتعلق الأمر باتفاقات “سياسوية” (يصفها البعض “بالجيواستراتيجية” حتى يجعلها “وقورة”). ويمثل اتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية المثال الكاريكاتوري على ذلك. فعندما اقترحت الولايات المتحدة اتفاق تبادل حر على المغرب في 2002-2003، فليس ذلك حبا في إرضائه أو رغبة في تطوير مبادلات مع بلد “لا يمثل شيئا” في خريطة التجارة الخارجية. كان المحرك في الحقيقة “سياسويا”. فبعد كل هجوماتها المتعددة في الشرق الأوسط، كانت الولايات المتحدة في حاجة لتوجيه رسالة مغايرة إلى البلدان العربية مفادها أن “أمريكا” قادرة على القيام بأمور أخرى غير الحرب، أي “السلم”. وليس من طريقة أخرى أفضل لضمان هذا “السلم” سوى التجارة والتبادل الحر. واختارت بالتالي بلدا يعتبر “تلميذا نجيبا”، أو على الأقل طيعا، لتوقيع اتفاق بالغت بعد ذلك في الدعاية له. لم يكن المغرب هو الذي اختار في هذه القضية بل تم اختياره. يمكننا فهم ذلك، حيث أن الأمر ليس في نهاية المطاف سوى تعبيرا عن ميزان قوى معين. ومع ذلك، كان على المغرب أن يتفاوض على المقابل الذي سيحصل عليه من هذا الخيار، وأن يفاوض بشكل أفضل شروط “خضوعه” حتى يتمكن، على الأقل، من تخفيف وقع اتفاقية التبادل الحر على اقتصادنا.

من المؤكد أن كل ذلك كان ممكنا بوجود خلل جوهري كبير في سيرورة “التفاوض” ويطرح مشكل الحكامة الحقيقية. وفق الممارسة السارية في البلدان الديمقراطية، فالبرلمان هو الذي يصادق على “تفويض التفاوض”، ويرسم الحدود التي على الحكومة وإدارتها أن تعمل في إطارها. في بلدنا، تعد المفاوضات الدولية “اختصاصا محصورا” على القصر الملكي، ويقودها فريق محدود من التكنوقراطيين. وهؤلاء لا يقدمون الحساب إلا لمن عينوهم، وبعيدا عن أي نقاش ديمقراطي، سواء في وسائل الإعلام أو حتى في المؤسسات المؤهلة لذلك كالبرلمان أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. هذه المؤسسات، التي يمكنها أن تقوم بدور إيجابي، تكون دائما هي الأخيرة التي يتم إخبارها بما جرى.

جريدة الأخبار المالية الأسبوعية: هل يعني هذا أن المغاربة ليسوا مفاوضين أكفاء؟

نجيب أقصبي: تشير هنا بالضبط إلى العامل الرابع الذي أريد أن أؤكد عليه والذي يجب إبراز أهميته، ألا وهو عدم كفاءة، أو نسميها حتى نكون متسامحين رداءة، جزء كبير من فرق المفاوضين. أقول هذا لأنني رأيت عن قرب فرقا من “المفاوضين” يفتقدون لأي أفق، ولا يفقهون شيئا في مضمون ملفاتهم، لأنهم لم يسبق لهم أن حضروها بشكل جدي. إنهم “مفاوضون” مجردون يواجهون خصوما يضبطون تماما ملفاتهم، ويعرفون جيدا أهدافهم وكيف يحصلون عليها. إن عدم التناسب في “قدرات” التفاوض صارخ جدا، وسرعان ما تتجسد نتائجه فيما تتضمنه اتفاقات التبادل الحر.

جريدة الأخبار المالية الأسبوعية: نحس مع ذلك في هذه السنوات الأخيرة، بامتلاك وعي حول ضرورة خوض مفاوضات جدية حول اتفاقيات التبادل الحر، وأن يكون المغرب أكثر هجومية وأن يحمي نفسه بشكل أفضل. هل فات الآوان؟

نجيب أقصبي: أريد أن اصدق ما تقول، وسيكون ذلك أفضل. لكني ما زلت أنتظر ذلك حتى حدود الآن. فـ “أمثلة” اتفاقيات الفلاحة والصيد البحري الأخيرة لا تبين بتاتا، ومع الأسف، حصول أي تقدم. وقد أقول لك بأن الأمر أسوأ بكثير حسب النتائج المحصلة والأصداء التي تصلنا من بروكسيل.

جريدة الأخبار المالية الأسبوعية: كان هناك بالخصوص تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي صدر في 2014 حول اتفاقيات التبادل الحر وكان نقديا أكثر.

نجيب أقصبي: علمت بهذا التقرير. اعترف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أخيرا بما كان واضحا وما أكدنا عليه منذ سنوات. وطبعا، يكتسي ذلك صدى كبيرا عندما يكون المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هو من يؤكد عليه. نعم الأمر. لكن ما يهمني أكثر هو الفعل أكثر من “النصيحة”. والذين يقومون بالفعل هم موجودون داخل الوزارات التي تتدخل مباشرة في هذه الاتفاقيات ويشكلون فرق المفاوضين. ومن البديهي أن هؤلاء الأخيرين هم الذين يحتاجون أيضا إلى “التأهيل” بشكل كبير. نعم، إن تكوينا عاليا للأطر المرشحة لتكون ضمن فرق المفاوضين في الاتفاقيات التجارية المقبلة أو غيرها أصبح ضروريا أكثر من أي وقت مضى ومستعجلا. لا بل إنه حيوي.

23 يوليوز 2015

المصدر:

http://financenews.press.ma/site/index.php/economie/12927-deficits-des-ale-comment-en-est-on-arrive-la

تعريب جمعية أطاك المغرب.