رواد وعمالقة مسلمين

سلسلة صحفية: روْاد وعمالقة مُسلمون – الحلقة الرابعة

مقدمة عامة للحلقات

“…حفل التاريخ الإسلامي بأسمائهم بعد أن ارتقوْا قمْم العلوم وتوجهوا بها لخدمة الإسلام والمسلمين،آثروا حياة الثورة والنضال على حياة الترف والبذخ والرخاء …،حملوا فكرهم وعلمهم سلاحاً للدفاع عن القضايا الوطنية للأمة، فكتبوا وأبدعوا فكراً وديناً وشعراً وابتعدوا عن خانة الغاوُون فلا هم في كل واد يهيمون ولا يقولون مال يفعلون، عاشوا احراراً مرفوعي الرأس دون أن تسمح اقلامهم أن تكتب نفاقا وتزلفا لحاكم أو سلطان، ودون أن يرفع سيفهم إلا نصرة للحق والمُستضعفين أحسنوا في تفسير الحرّية الغربية وقابلوها استئناساً بالليبرالية الشائعة في الغرب والدائرة على كل لسان حينما رأوا فيها العدل والإنصاف…،اوضحوا أن السير في طريق التنمية والتطور واكتساب المعرفة يقتضي بالضرورة وجود دعامات الحرّية والعدل والمساواة التي تجد دعاماتها من الشريعة الإسلامية حيث المنهج والدستور الكامل والشامل، حيث مصطفى كامل وأنور الجندي والشيخ علي الغاياتي والخطابي والمراغي والنديم وياسين وعلال الفاسي والبنا وإبن تاشفين وأبو الحسن الندوي وغيرهم من رجالات الفكر العربي والاسلامي، إنهم عمالقة الفكر والتنوير ورواد الأصالة الإسلامية، ،…إنهم روْاد وعمالقة مسلمون “.

الإمام محمد مصطفى المراغي….هَمّ الأمة لا هَمّ المَنْصبْ عمامة الأزهر التي سعت إلى إقرار العدل والمُساواة للمواطن المصري في حكم الملك فاروق

الإمام محمد مصطفى المراغي

الإمام محمد مصطفى المراغي

عندما كان العّلامة الكبير محمد عبده عالماً من علماء الأزهر الشريف الذي كانت تسوده آنذاك حركة اصلاحية تحت رايته الفكرية، فقد وقعت عيناه على العالم الصغير مصطفى المراغي الذي عمد إلى تعيينه منذ لحظات تخرجه الأولى قاضياً لمدينة دنقلة السودانية بدايات العام 1904، قبل أن يقدم هذا الأخير استقالته سريعا وبعد ثلاثة سنوات فقط بسبب خلافات شديدة مع الحاكم العسكري الانجليزي التابع للتاج البريطاني الذي كان يَحتل السودان مع العام 1907.

عمامة الأزهر الشريف

كان مريدي محمد عبده يجتمعون ويطوفون من حوله أينما حلّ وارتحل،يتصارعون فيما بينهم للحصول على ثقة هذا العّلامة والشيخ الجليل الذي التهب حماسا بعقلية وصراحة الشاب الصغير محمد مصطفى المراغي إبن الثالثة والعشرين ربيعا (ولد بقرية المراغة بصعيد مصر في التاسع من مارس 1881) الذي سرعان ما اعتلى قمّة الهرم حيث الثقة الكبيرة لمحمد عبده، وما تلا ذلك من سرعة في تعيينه قاضيا رسميا في السودان رغم كونه أصغر علماء الأزهر سناً في الوقت الذي يُضاهيهم علماً ومعرفة نظير دراسته للتاريخ والاجتماع والسياسة،فبعد عودته إلى مصر قادما من السودان أخذ المراغي يتدرج شئيا فشئيا في مناصب القضاء حتى تولى رئاسة المَحكمة الشرعية العليا بدايات العام 1923 ثم شيخا للأزهر الشريف عام 1928 وعمره لم يتجاوز بعد السابعة والأربعين حتى عدّ اصغر من تولى مشيخة الأزهر مُكرسا جلّ اهتمامه ومهامه في اصلاح الأزهر وصيانه عمامته بعد أن أخذ يفقد بريقه وبعضا من سلطاته، فانطلق في اصلاح القضاء لتحقيق العدل بين الناس مُؤسّساً لأسلوب جديد في حلّ النزاع بين المُتخاصمين حيث التوفيق بينهم دون اللجوء إلى القضاء ودون أن يخرج عن احكام الكتاب والسنة الشريفة، كما انطلق إلى تشكيل لجنة خاصة برئاسته تتولى اعداد قانون يكون بمثابة الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية في مصر، مُوجْها نداءاته لأعضاء اللجنة بعدم التقيّد بآي مذهب في الوقت الذي كان فيه القضاة لا يَحيدون عن مَذهب الإمام أبي حنيفة المَعمول به في ذلك الوقت، وبالتالي كان المراغي يرى بضرورة الأخذ بغيره من المَذاهب أذ كان فيها ما يتفق ومصلحة العباد.

مواقف مشرفة

أخذ المراغي يخطو بخطى ثابته نحو اقرار العدل والمساواة من خلال سلطة الأزهر الشريف لا يدع مجال للشك بأنه عالم رباني لا يخاف في الله لومة لائم،فرفض بداية فكرة اشتراك مصر بالحرب العالمية سواء بالتحالف أو بالتعاون مع الإنجليز أو الألمان، فبينما أخذت حشود المصريين تهتف بدخول الألمان منطقة العلمين (تقدم يا روميل) اعلن المراغي مقولته الشهيرة : إن مصر لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب الدائرة بين المُعسكرين المُتحاربين اللذان لا يَمتّان لمصر بأية صلة..!!،مُحدثاً بذلك ضجة كبيرة اقلقت الحكومة الانجليزية والمصرية التي سارعت إلى اصدار بيان حول موقف المراغي باعتباره شيخا للأزهر، فلم يكن منه إلا أن خط جوابه وردّ سريعا على خطاب رئيس الوزراء المصري حينذاك حسين باشا سرّي وبلهجة حادة وأخذ يقول “…إنني احكم بعزة المُؤمن الذي لا يخاف الا الله، أمثْلُكَ يُهدّد شيخ الأزهر القوي بمركزه ونفوذه ونفوذ المسلمين التي تحتكم إلى شريعة الله وسنة رسوله، إن شيخ الأزهر اقوى بمركزه من رئيس الحكومة ولو شئت لارتقيت منْبَر مَسْجد الحُسين وآثرت عليك الرأي العام، ولو فعلت ذلك لوجدت نفسك على الفور بين عامة الشعب”.

يروي عبد المتعال الصعيدي في كتابه (المُجدّدون في الاسلام) بالقول “……كان حسين سرّي ومن وراءه الإنجليز غير مَعنين للتو بإثارة القلاقل والعواصف فقرّروا تفادي الصراع مع الأزهر حتى لا  يتم اثارة الرأي العام ضد قواتهم المُحتلة، وقرروا ترك ذلك للحظة المناسبة التي جاءت سريعا بعد بدء التوتر بين الملك فاروق شخصيا والشيخ المراغي بعد رفضه الاستجابة لطلب الملك الخاص بإصدار فتوى تحرّم زواج الأميرة فريدة (طليقته) من أي شخص آخر وأخذ يقول (صائحا من شدّة الرفض وألم المرض)  “…أما الطلاق فلا ارضاه وأما التحريم  بالزواج فلا املكه، إن المراغي لا يستطيع أن يحرّم ما احل الله..”، مرض لم يوقف اصراره للحضور إلى الأزهر الشريف في وقت التحضير للامتحانات مصرحا بالقول :إنني أتقبل تعرّض صحتي للخطر وهو أمر أهون عليْ من أن تتعرض سمعة الأزهر للخطر”.

استقلال الأزهر عن القصر الملكي

ويضيف عبد المتعال الصعيدي بالقول “……لم تمر سنة لتعينه حتى انطلق المراغي في سياسته الاصلاحية للأزهر مُدعّما ذلك بإنشاء ثلاثة كليات مُتخصّصة لدراسة علوم اللغة العربية والشريعة والقانون وأصول الدين بينما خصّص الرابعة لدراسة اللغات الأجنبية التي ستسمح للطلبة  ليكونوا أكثر قدرة على نشر الإسلام والثقافة الاسلامية لغير المسلمين في كل انحاء العالم،وانطلق إلى تشكيل لجنة خاصة للفتوى تكوّنت من كبار العلماء وحدّدت مهمتها في الرّد على الأسئلة الدينية التي تتلقاها من الأفراد والهئيات موازاة مع تشكيله لهئية دينية في العالم الاسلامي تكوْنت من مجموعة كبار العلماء (ثلاثين عضوا) ممّن لهم اسهامات كبرى في الثقافة الدينية شريطة تقديم كل عضو فيها لرسالة علمية تتسّم بالجرأة والابتكار، ووصل الأمر به إلى حدّ الدعوة إلى اعادة النظر في المناهج الدراسية التابعة للأزهر بعد أن قدّم قانونا لاصلاحه للملك فؤاد الأول الذي رفضت حاشيته تلك التوجهات معيزين للملك بأن الشيخ المراغي يريد استقلال الأزهر عن القصر، حينها (أمام رفض الملك للقانون) لم يكن من المراغي إلا أن وضع القانون الخاص بإصلاح الأزهر في ظرف واستقالته من مشيخة الأزهر في ظرف آخر وطلب من الملك فؤاد حرية الاختيار فقبل الملك فؤاد الاستقالة…”.

اصلاح الأمة

كانت كثرة العقبات التي أخذ يواجهها المراغي هي السبب المباشر لاستقالته أكتوبر من العام 1929 بعد أن اعتبر الوظيفة تكليفاً وواجباً مهما وليست مُجرد تشريف وحمل ألقاب، حتى ثار مريدوه مطالبين بعودته إلى مشيخة الأزهر إبريل 1935 مُصرّحا حين عودنه بالقول “….كنت ومازلت أحمل على عاتقي اصلاح حال الأمة وحال الأزهر الشريف، إنني أحمل همّ الأمة ودينها لا همّ المنصب واترافه، فعندما كانت مصر تُوشك أن تدخل الحرب إلى جانب بريطانيا ضد قوات المحور التي اخذت تجتاح افريقيا عام 1941 في خطوة كانت ستأتي ضد مصالح الشعب المصري كونها حرب بين قوتين صليبيتين(الحلفاء بزعامة بريطانيا والمحور بزعامة المانيا) المُعاديين للإسلام والمسلمين، لم يكن أمامنا إلى أن نقول للحكومة حينها التي عمدت إلى اصدار قرارات لمصلحة المُحتل وليس لمصلحة الشعب المصري ومن منبر الأزهر هذا مقولتنا المشهورة: أنه لا ناقة لنا ولا جمل في هذه الحرب…،تلك المقولة التي سرت سريان النار في الهشيم وأخذت الجماهير تستصرخ بها في شوارع القاهرة حتى اجبرنا البرلمان المُصّير  للانعقاد ليعلن نوابه مجتمعين قرارهم بعدم دخول مصر الحرب ويعود للأزهر الشريف جرأته على قول الحق وحرصه على النصح للأمة قدر استطاعته..”.

نهاية الأولياء والمحجورين

لم يلبث صدى المراغي كثيراً حتى توفته المنيه يوم الثاني والعشرين من أغسطس 1945 بعد أن ترك لنا تراثا فكرياً مُتنوعا تناول من خلاله العديد من القضايا المجتمعية حيث التفسير والفقه واللغة، فخرجت إلينا عبر مؤلفاته التي من أشهرها الأولياء والمَحجورين ذلك البحث الفقهي الذي تناول فيه الشيخ الحَجرْ على السفهاء، وبحثه المتمثل في وجوب ترجمة القرآن الكريم، إضافة إلى العديد من الدروس الدينية التي نشرت بمجلة الأزهر شملت على تفسير الكثير من السوْر القرآنية ودروساً القاها الشيخ في المساجد الكبرى بالقاهرة والإسكندرية.

معادي أسعد صوالحة

معادي أسعد صوالحة

سلسلة من اعداد : معادي أسعد صوالحة

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في المغرب

sawalhamouadd@yahoo.fr